ويمكن اعتبار هاتين الصفتين مجتمعتين عنوانًا على تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين، فإنَّ لهم سمعًا وبصرًا، لا كسمعه وبصره - عز وجل - فضلًا عما يوحي به اقتران الصفتين من إحكام الرقابة، على الأقوال والأفعال، والإحاطة التامة للمخلوقات كلها وأن الله محيط بها لا يفوته شيء منهم، ولا يخفى عليه من أمورهم شيء، بل هم تحت سمعه وبصره.
وعن وجه تقديم (السميع) على (البصير) في جميع الآيات يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:"قيل: تقديمُ السّمع على البصر له سببان:"
أحدهما: أن يكون السّياق يقتضيه بحيث يكون ذكرها بين الصّفتين متضمنًا للتهديدِ والوعيد، كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكرهُ من صفاتِه التي تقتضي الحذرَ والاستقامة، كقوله: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) } [البقرة: 209] ، وقوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) } [النساء: 134] .
والقرآن مملوءٌ من هذا، وعلى هذا فيكونُ في ضمن ذلك: أني أسمعُ ما يَردّون به عليكَ، وما يقابلون به رسالاتي، وأبصرُ ما يفعلون.
ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان: أحدهما: قابلوها بقولهم: صدقت ثم عملوا بموجبها.
والثاني: قابلوها بالتكذيب، ثم عملوا بخلافها فكانت مرتبة المسموعِ منهم قبل مرتبةِ المُبْصَر، فقدَّمَ ما يتعلقُ به على ما يتعلق بالمُبْصر.
وتأمل هذا المعنى في قوله تعالى لموسى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) } [طه: 46] ، هو يسمعُ ما يُجيُبهم به وَيرى ما يصنعُه، وهذا لا يعم سائر المواضعِ، بل يختصُّ منها بما هذا شأنه.