يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن وجه اقتران هذين الاسمين الجليلين أنهما دالان:"على كمال الإرادة وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة وعلى كمال العلم، وأنه كما يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بالخبرة، فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم. فالمراد ظاهر، والحكمة باطنة، والعلم ظاهر والخبرة باطنة، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم أن يكون كاشفًا عن الخبرة، فالخبرة باطن العلم وكماله، والحكمة باطن الإرادة وكمالها" (1) .
وفي آية الأنعام ورد اسمه سبحانه {القاهر} مع اسميه سبحانه {الحكيم الخبير} المقترنين، ووجه الجمع بين هذه الأسماء الحسنى - والله أعلم- أن {القاهر} وصف دال على كمال القدرة والقوة والغلبة التي لا يملك المقهور حيالها أي مدافعة، بل الإذعان والخضوع، أما {الحكيم} فهو كما سبق ذو الحكمة المتقن لخلق الأشياء، وهو وصف يقتضي أنه - سبحانه - يضع الأشياء في محالها بحكمته، وأنه لا يفعل إلا ما كان صوابًا.
فلما ورد اسم {القاهر} الذي يحصل منه الخوف والوجل والشعور بمعنى القهر والفوقية، جاء بعده اسم {الحكيم} الذي يدل على أن جريان تصرفه وسلطانه إنما هو على مقتضى الإصلاح ومنع الفساد، فإذا وقع للعبد من أقداره سبحانه ما يكره فليوقن أن وراء ذلك الحكمة التي لا يدركها إلا {الخبير} الذي يصل علمه إلى الخفايا وبواطن الأمور. وبذلك تطمئن النفوس من الخوف، وتسكن من القلق والاضطراب. بخلاف قهر الجبابرة من المخلوقين الذين غالبًا ما يكون عن ظلم، وشهوة، وعدوان (2) .
(1) بدائع الفوائد 1/ 87.
(2) انظر"مطابقة أسماء الله الحسنى مقتضى المقام"د. نجلاء الكردي ص 507، 508.