فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 683

"الطائفة الأولى"الجاحدة لقدرته وحكمته فلا يثبتون له سبحانه قدرة ولا حكمة، كما يقوله من ينفي كونه تعالى فاعلًا مختارًا، وأن صدور العالم عنه بالإيجاب الذاتي لا بالقدرة والاختيار، وهؤلاء يثبتون حكمة يسمونها عناية إلهية، وهم من أشد الناس تناقضًا، إذا لا يعقل حكيم لا قدرة له ولا اختيار، وإنما يسمون ما في العالم من المصالح والمنافع عناية إلهية من غير أن يرجع منها إلى الرب سبحانه إرادة ولا حكمة، وهؤلاء كما أنهم مكذبون لجميع الرسل والكتب فهم مخالفون لصريح العقل والفطرة، قد نسبوا الرب سبحانه إلى أعظم النقص، وجعلوا كل قادر مريد مختار أكمل منه وإن كان من كان، بل سَلْبُهم القدرة والاختيار والفعل عن رب العالمين شر من شرك عباد الأصنام به بكثير، وشر من قول النصارى إنه - تعالى عن قولهم - ثالث ثلاثة وإن له صاحبة وولدًا، فإن هؤلاء أثبتوا له قدرة وإرادة، واختيارًا وحكمة، ووصفوه مع ذلك بما لا يليق به. وأما أولئك فنفوا ربوبيته وقدرته بالكلية، وأثبتوا له أسماء لا حقائق لها ولا معنى.

و"الطائفة الثانية"أقرت بقدرته وعموم مشيئته للكائنات، وجحدت حكمته، وما له في خلقه من الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها، فحافظت على القدرة وجحدت الحكمة، وهؤلاء هم النفاة للتعليل، والأسباب، والقوى، والطبائع في المخلوقات، فعندهم لا يفعل لشيء ولا لأجل شيء، وليس في القرآن عندهم"لام"تعليل ولا"باء"تسبب، وكل لام توهم التعليل فهي عندهم لام العاقبة، وكل باء تشعر بالتسبب فهي عندهم باء المصحابة. وهؤلاء سلطوا نفاة القدر عليهم بما نفوه من الحكمة والتعليل والأسباب، فاستطالوا عليهم بذلك، ووجدوا مقالًا واسعًا بالشناعة فقالوا وشنعوا، ولعمر الله إنهم لمحقون في أكثر ما شنعوا عليهم به، إذ نفي الحكمة والتعليل والأسباب، له لوازم في غاية الشناعة، والتزامها مكابرة ظاهرة عند عامة العقلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت