فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 683

غاياتها اللائي حمدن وكونها في غاية الإتقان والإحسان" (1) "

نخلص مما ورد في الأبيات السابقة إلى أن اسمه سبحانه (الحكيم) يتناول معنيين كبيرين:

المعنى الأول: (الحُكم) أي: أن له سبحانه الحكم كله في الدنيا والآخرة. والحكم هنا يتناول الأحكام الثلاثة: الأحكام الكونية القدرية، والأحكام الدينية الشرعية، والأحكام الجزائية، فله الحكم فيها كله لا شريك له في حكمه، كما لا شريك له في عبادته قال سبحانه وتعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) } [الكهف: 26] .

المعنى الثاني: (الإحكام) . أي: الذي له الحكمة البالغة في خلقه وأمره وشرعه فلا يخلق ولا يأمر إلا بما فيه المصلحة والحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها.

وعن المعنى الأول يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:"والحكم نوعان: حكم كوني قدري، وحكم أمري ديني:"

الأول: حكم شرعي ديني: فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم، وترك المنازعة، بل الانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة فلا يعارض بذوق ولا وجد، ولا سياسة، ولا قياس ولا تقليد. ولا يرى إلى خلافه سبيلًا البتة، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول، فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة إقرارًا وتصديقًا بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له إرادة وتنفيذًا وعملًا، فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة تعارض الحق وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج خلاقه تحت الأمر، واضمحل خوضه في معرفته بالحق، فاطمأن إلى الله معرفة به، ومحبة له وعلمًا بأمره وإرادة لمرضاته. فهذا حق الحكم الديني.

الحكم الثاني الحكم الكوني القدري:

(1) نونية ابن القيم 2/ 218 - 219، الأبيات (3252) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت