فليس من أسمائه - عز وجل - مثلًا: الدهر، والشيء ونحو ذلك، لأن هذه الأسماء لا تتضمن معنى يلحقها بالأسماء الحسنى فالأسماء الحسنى أعلام وأوصاف، ولأن الله تعالى لم يتسم بها ولم يسمه بها رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال اللهُ - عز وجل: يُؤذيني ابن آدمَ، يَسُبُّ الدَّهَر، وأنا الدهْرُ، بيدي الأمرُ، أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ) (1) 2).
فهذا الحديث قد يفهم منه أن"الدهر"اسم من أسماء الله الحسنى، وهو ليس كذلك.
فهو أولًا: اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى.
وثانيًا: إن اسم الدهر اسم للوقت والزمان.
أما معنى قوله تعالى:"وأنا الدهر"، فهو كما قال الإمام الخطابي رحمه الله:"أي: أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفًا لمواقع الأمور ..." (2) 1) أهـ.
ومما يدل على قول الإمام الخطابي- رحمه الله - أنه تعالى قال في الحديث القدسي:"أقلب الليل والنهار"والليل والنهار هما الدهر، فلا يمكن أن يكون المقلِّب"بكسر اللام"هو المقلَّب بفتحها.
التنبيه الثالث: المَثَل الأعلى:
ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، ولم يمنع عدم النظير في الدنيا السلف من فهم ما أخبروا به من ذلك.
فهكذا الأسماء والصفات، لم يمنعهم انتفاء نظيرها ومثالها من فهم حقائقها، ومعانيها، بل قام بقلوبهم معرفة حقائقها، وانتفاء التمثيل والتشبيه، والتعطيل عنها. وهذا هو المثل الأعلى الذي أثبته الله تعالى لنفسه فقال: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) } [الروم: 27] ، وقال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .
(1) البخاري (4826) ، مسلم (2246) .
(2) فتح الباري 8/ 438.