قال الناصر في"الانتصاف": هذا الوجه قويّ بقوله بعد آيات: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتّى إِذَا بَلَغُوا النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: من الآية 6] دل على أن الآية الأولى في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم .
والثانية: في الحض على الإيتاء الحقيقيّ عند حصول البلوغ والرشد .
ويقويه أيضاً قوله عقيب الأولى: {وَلَا تَتَبَدّلُوا} الخ ، فهذا كله تأديب للوصيّ ما دام المال بيده واليتيم في حجره .
وأما على الوجه الأول فيكون مؤدى الآيتين واحداً وهو الأمر بالإيتاء حقيقة ، ويخلص عن التكرار بأن الأولى كالمجملة ، والثانية كالمبيّنة لشرط الإيتاء: من البلوغ وإيناس الرشد ، والله أعلم .
{وَلَا تَتَبَدّلُوا الْخَبِيثَ بِالطّيّبِ} أي: ولا تستبدلوا الحرام ، وهو مال اليتامى بالحلال وهو ما لكم ، وما أبيح لكم من المكاسب ، ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه .
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} نهى عن منكر آخر كانوا يتعاطونه ، أي: لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم مخلوطة بها للتوسعة .
{إِنّهُ} أي: الأكل: {كَانَ حُوباً} أي: ذنباً عظيماً ، وقرئ بفتح الحاء ، وقوله تعالى: {كَبِيراً} مبالغة في بيان عظم ذنب الأكل المذكور ، كأنه قيل من كبار الذنوب .
تنبيه:
خص من ذلك مقدار أجر الملل عند كون الوليّ فقيراً لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالمعْرُوفِ} كذا قاله البيضاويّ وتابعه أبو السعود .
وعندي أنه لا حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغنيّ ، لقوله: {إِلَى أَمْوَالِكُمْ} فلا يشمل مساقها الفقير ، وسنوضح ذلك .
لطيفة: