من هؤلاء بالتفسير رواية أو دراية، لأنهم شغلوا بغيره، إلا ما كان من ابن عباس، وأشباهه من شباب الصحابة الذين وَعَوا أفاويقه فِي آخر حياة الرسول، ومنهم بعض من التزموا الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
فقد كان ابن عباس ترجمان القرآن كما عبر بعض علماء الصحابة، وقد أخذ من علم كثير من الصحابة، وخصوصا ابن عمه عليًّا، الذي قال فيه ابن عباس: ما انتفعت بكلام بعد كلام محمد - صلى الله عليه وسلم - كما انتفعت بكلام عليٍّ كرَّم الله وجهه. فقد كان عليٌّ أستاذه بعد المرشد الأكبر محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وإن الصحابة علموا التابعين مما تعلموا من فهم القرآن وأولئك هم التابعون، فما صح عن التابعين أهل الثقة الذين لازموا الصحابة واختزنوا علمهم، وهو علم بنوه ونقلوه نقلا صحيحا أخذنا به.
بيد أنه يجب الاحتراس عند الأخذ من الأقوال المنسوبة للتابعين؛ فإنه قد حدث فِي عهد التابعين أمران كانا سببا فِي دخول كلام في تفسير القرآن ليس منه، ولا مقتبسا من روحه:
أولهما - دخول كلام من بني إسرائيل إلى العلم الإسلامي ونسبوه إلى التابعين على أنه من أقوالهم، وقد روى أن بعض من ينسبون إلى صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - استهواه ما عند اليهود، فنقله، حتى إنه ليُروى أن عبد الله بن عمرو بن العاص، نقل فِي غزوة اليرموك حمل راحلتين مما عند اليهود، وتسرب إلى العقل الإسلامي ونسب إلى بعض التابعين، بل إلى بعض الذين لهم صحبة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وإن لم يكونوا من الرعيل الأول الذي حمل علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وما زال العلماء فِي هذا يعانون الكثير، مما اختلط بالتفسير من الإسرائيليات، ومحاولة رحض (1) التفسير
منها، كما يرحض الثوب الأبيض الناصع من الأقذار التي علقت به.
وإذا كان اليهود عجزوا عجزا مطلقا عن أن يعبثوا بالقرآن كما عبثوا بغيره،
(1) رَحَضَ - من باب منع - الثوب رَحْضا، ورُحوضا: غسله فهو راحض، والمفعول مرحوض ورحيض [الوسيط] . والمقصود: تنقية كتب التفسير مما علق بها من الأقوال غير الصحيحة، والوجوه غير المحتملة.