والصحيحُ عند الحنفيةِ أنه على الفَوْرِ.
والصحيحُ عند متأخري المالكية أنه على التراخي.
وأما تخصيصُ الوجوب بالحجِّ دون العُمْرَةِ، فقد مضى الكلامُ عليه.
(الشوري)
59 - (3) قوله عَزَّ وجَلَّ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران: 159] .
أقول:
* أمر الله سبحانه وتعالى نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بمشاورة ذوي الأحلام والنّهَى، ومدح اللهُ سبحانه المؤمنينَ بالمشاورة، فقال: {وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُم} [الشورى: 38] ، ولا خلاف في استحبابِها في حقِّ الرعيَّة؛ لما فيها من البحث وزيادةِ النظرِ في عواقب الأمور، وحصول البركة، ففي الحديث:"ما شقِيَ عَبْدٌ قَطٌّ بَمَشورَةٍ، وما سَعِدَ باسْتِغْناءٍ بِرَأْيٍ".
وقد كان عمرُ - رضي الله تعالى عنه - يجمع الصحابةَ، ويستشيرُهم في الأحكام وغيرها.
* وإنما اختلفوا في وجوبها على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى ولاة المسلمين.
-فذهب المالكية إلى وجوبِها على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعلى غيرِه من الوُلاة، قال ابن عطيةَ منهم: والشورى من قواعدِ الشريعةِ وعزائمِ الأحكام، ومن لا يستشيرُ أهلَ الدين والعلمِ فعزلُه واجبٌ. وعن ابن خُويزمِنْداد مثلُه، وذهبت الشافعيةُ إلى استحبابه في حَقِّ الوُلاة.
وأَمّا في حَقِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقيلَ بوجوبها؛ حَمْلًا لمطلقِ الأمر على ظاهره، ولما في تخصيصِه - صلى الله عليه وسلم - بالوجوب مِنْ رَفْعِ درجته، وتكثيرِ ثوابه، وتكريمِه، وهو الصحيح عند الشافعية.
وقيل باستحبابها قياسًا على الأُمة، والأمرُ محمولٌ على الاستحباب، ونُقل هذا عن نص الشافعي - رحمه الله تعالى.
ونُدِبَ - صلى الله عليه وسلم - إلى مشاورتهم، مع كمالِ عقله، وجزالةِ رأيه، وعصمةِ الله سبحانه له؛ تطييبًا لقلوبِ أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - ؛ كما روي عن قتادةَ والشافعيِّ. وقيل: بل نُدِبَ حَثًّا لهم على الاقتداء به.
قال الحسنُ: علم اللهُ سبحانه أنه ما بهِ إليهم من حاجة، ولكن أرادَ أن يَسْتَنَّ به مَنْ بعده.
ونحو هذا قال الشافعي أيضًا.
وقيل: تحصيلًا لبركة التشاور. انتهى انتهى. {تيسير البيان لأحكام القرآن، لابن نور الدين اليمني} ...