فخصها الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأحمدُ بالزاد والراحلة، ولم يوجبوا الحج على المستطيع بالمشي، أو بالاكتساب في الطريق؛ لما روى ابنُ عمرَ - رضي الله تعالى عنهما - قال: قام رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: ما يوجبُ الحَجَّ؟ قال:"الزاد والراحلة"، خَرَّجَهُ الترمذيُّ وحَسَّنه.
وعمَّمَ مالكٌ وُجوبَ الحَجِّ على كل مستطيع بالقوةِ والاكتساب، ولو بالسؤال، وتمسَّكَ بعُموم الآيةِ، وجعله مخصِّصا لعُموم الحديثِ، فخصَّه بمنْ لا يستطيع المشيَ أو الاكتسابَ؛ بدليلِ عموم قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .
وهذا ضعيف؛ فإن العُمومَيْنِ إذا تعارضا، وأمكن أن يُخَصَّ بكل واحدٍ منهما عُمومُ الآخر، لم يجز أن يخص بأحدِهما الآخرُ إلا بدليلٍ آخر،
والأولى أن يخصَّ بالحديث عمومُ الآية؛ لأنه لو كان الزادُ والراحلة مختصين بغير المستطيع، لبيَّنه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عندَ السؤال، لأن تأخير البيان في هذه الحالة غيرُ جائز.
ولهم أن يقولوا: الحديثُ ضعيفٌ عندُ جمهورِ أهل العلم بالحديث، فتضعفُ معارضتهُ لعمومِ الآية.
ويحكى القولُ بمثل مذهبِ مالك عن عبد الله بن الزبير، والشعبيِّ.
وقال الضحاك: إن كان شابًا قويًّا صحيحًا، ليس له مال، فعليه أن يُؤَاجِرَ نفسَهُ بأَكْلِهِ أو عَقِبهِ، حتى يقضيَ حَجَّهُ، فقال له مقاتل: كلفَ اللهُ الناسَ أن يمشوا إلى البيت؟، فقال: لو أن لبعضِهم ميراثاً بمَكَّة؟ أكانَ تارِكَهُ؟ بل ينطلقُ إليه ولو حَبْوًا، كذلك يجبُ عليه الحجُّ.
وقولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ عندي أولى؛ لوجوه:
أحدها: لما فيه من التيسير والسماحة الموافق لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، ولقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -:"بُعِثْتُ بالحنيفيةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَة".
ثانيها: فتوى ابنِ عباس وابنِ عمرَ - رضي الله تعالى عنهم - ، وهي مقبولة في مثل هذا المَقام التعبديِّ اتفاقًا.
ثالثها: موافقة سائر أصول العبادات؛ كالطهارة والصلاة والصيام؛ فإن المشاقَّ والسَّفرَ يبيح فيها التأخير والتخفيف.
2 -وأما استطاعة النيابة، وذلك في حقِّ المعضوب إذا وجد قريبًا أو أجيرًا يحج عنه، وفي حقِّ المَيِّتِ إذا مات وقد وجب عليه الحجُّ.