وقد اختلف في سبب هذه الآية. فقال ابن عباس: كان كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد وقد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: احتنبوا أولئك اليهود، واحذروا مباطنتهم؛ فأبى ذلك النفر إلا مباطنة اليهود، فنزلت الآية.
وقال آخرون: نزلت الآية في قصة حاطب بن أبي بلتعة وكتابه إلى أهل مكة. والآية عندي على العموم في هذه القصة وغيرها.
ويدخل تحتها فعل أبي لبابة في إشارته إلى حلقه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في استنزال بني قريظة، ثم أباح الله تعالى اتخاذهم أولياء في الظاهر بشرط الاتقاء، فقال: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} ، وذهب قتادة إلى أن معنى الآية {إلا أن تتقوا منهم تقاة} من جهة صلة الرحم أي ملامة، فالآية عنده مبيحة للإحسان إلى القرابة من الكفار.
(35) - قوله تعالى: {إذ قالا امرأة عمران رب إني نذرت لك} .
هذا النذر غير معمول به في شريعتنا، فلا يجوز لأحد أن يحبس ولده على مسجد من المساجد. وكان هذا المعنى للتحبيس على الكنائس في شرع من قبلنا عرفًا في الذكور خاصة. وكان فرضًا على الأبناء التزامه، فمعنى الآية: جعلت نذرًا على أن يكون هذا المولود الذي في بطني محررًا من كل خدمة وشغل. والبيت الذي نذرت له هو بيت المقدس، فإن قيل: كيف كان التحبيس شرطًا في الذكور خاصة، قد قالت امرأة عمران أم مريم: {ما في بطني} ، ولم تخص ذكرًا من أنثى.
قيل: جزمت الدعوة رجاء منها أن يكون ذكرًا.
(36) - وقله تعالى: {وإني سميتها مريم} .
فيه دليل على جواز تسمية الأطفال عند الولادة؛ لأنها قالت
هذا بأثر الوضع، وهي مسألة قد اختلف فيها، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يسمى المولود إلا يوم سابعه، وذهب مالك إلى أنه يسمى إلى استهل صارخًا وأن السقط لا يسمى، وذهب قوم إلى أنه يسمى يوم ولادته وإلى هذا ذهب ابن حبيب، واستحب أيضًا أن يسمى السقط لما روي من رجاء شفاعته. وحجة من أجاز تسميته يوم الولادة الآية المتقدمة. وإنما تصح الحجة بها على قول من يرى أن شريعة من قبلنا شرع لنا.