الثَّالِثُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ ، وَكَانُوا قَوْمًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِالْمَدِينَةِ مَسَاكِنُ وَلَا عَشَائِرُ ، فَنَزَلُوا صُفَّةَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ يَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ بِالنَّهَارِ ، وَيَأْوُونَ إلَى الصُّفَّةِ بِاللَّيْلِ ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ بَغَايَا مُتَعَالِنَاتٌ بِالْفُجُورِ ، مَخَاصِيبُ بِالْكِسْوَةِ وَالطَّعَامِ ، فَهَمَّ أَهْلُ الصُّفَّةِ أَنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ ، فَيَأْوُوا إلَى مَسَاكِنِهِنَّ ، وَيَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِنَّ وَكِسْوَتِهِنَّ ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ ؛ قَالَهُ ابْنُ أَبِي صَالِحٍ.
وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَزَادَ: أَنَّهُنَّ كُنَّ يُدْعَيْنَ الْجَهَنَّمِيَّاتُ ، نِسْبَةً إلَى جَهَنَّمَ.
الرَّابِعُ: مَعْنَاهُ الزَّانِي لَا يَزْنِي إلَّا بِزَانِيَةٍ ، وَالزَّانِيَةُ لَا تَزْنِي إلَّا بِزَانٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
الْخَامِسُ: أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فِي الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً مَحْدُودَةً ، وَلَا يَنْكِحُ الزَّانِيَةَ الْمَحْدُودَةَ إلَّا زَانٍ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ وَغَيْرهمَا.
السَّادِسُ: أَنَّهُ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ عَلَى الْعَفِيفِ ، وَالْعَفِيفِ عَلَى الزَّانِيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ صِيغَةُ الْخَبَرِ ، وَهُوَ عَلَى مَعْنَاهُ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَشَرَحْنَاهُ ، رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْخَبَرَ يَرِدُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ الزَّانِيَ لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً.
وَنَحْنُ نَرَى الزَّانِيَ يَنْكِحُ الْعَفِيفَةَ.