المثل لنوره فقال:"مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري..."المشكاة: تجويف مصنوع فِي الجدار يوضع المصباح فيه عادة! ويسمى فِي الريف الطاق!. والزجاجة حول المصباح لتصفية نوره ومنع دخانه! والمثل المضروب هنا لمصباح يستمد اشتعاله من زيت خاص ، هو أعلى أنواع زيت الزيتون يكاد يضئ ولو لم تمسسه نار ، والزجاجة من الشفافية والتألق كأنها كوكب درى.
وهنا نسأل: مثل نوره فِي أرجاء الكون؟ أو مثل نوره فِي قلب المؤمن؟ بالأول قال الغزالي ، وعبارته:"النور هو الظاهر الذي به كل ظهور ، أي: الذي تنكشف به الأشياء وتنكشف له وتنكشف منه. وهو النور الحقيقي وليس فوقه نور. وجعل اسمه تعالى"النور"جاء دالا على التنره عن العدم ، وعلى إخراج الأشياء كلها من ظلمة العدم إلى ظهور الوجود...". والواقع أن دلائل الوجود الأعلى من الكثرة والوفرة بحيث لا يزيغ عنها إلا أعمى كأن كل ذرة عليها مقادير من الضوء تجعل انكشافها نهارا!!. أما المعنى الثاني فهو مثل نوره فِي قلب المؤمن ، وأساسه أن القلب العارف يرزق بصيرة تميز الصواب من الخطأ ، والبر من الإثم ، ويمشى بين الناس ثابت الخطو فسدد الهدف. ولعله يستمد من القرآن وضوح غايته ، والقرآن نور:"فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا". وعند التأمل نجد المعنيين متلازمين ، فالذي يلمح فِي الآفاق نور ربه تستقر هداياته فِي قلبه! ويرتبط بالمساجد يتردد عليها من الفجر إلى العشاء ، فقلبه معلق ببيوت الله يسبح فيها بالغدو والآصال.. أما الكافرون فأشباه دواب لا يعرفون عن ربهم شيئا ، وربما كانوا أذكياء فِي فهم الدنيا ، ولكنهم محجوبون عن رب الدنيا والآخرة ،"ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور". وقد تحدثت الآيات عقيب ذلك عن قدرة الله وعظمته ، واستحثت أولى الألباب على النظر فِي الكون ، ففى هذا النظر ما"