فالإضافة في الآية للاستعطاف مع مراعاة أنها واقعة في غير المسند إليه. إلى غير ذلك من النكات والأسرار التي تقتضي تعريف المسند إليه بالإضافة.
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ... (234) }
ومن هذا النسق من المجاز قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}
فمن المعروف أن الوفاة تنهي الزوجية، فتصبح المرأة بعد قضاء العدة أجنبية يصح لها أن تتزوج بغيره، وإنما عبر بالأزواج باعتبار الوصف الذي كانت عليه قبل الوفاة؛ للإيماء إلى أن ما يقتضيه هذا الوصف من الوفاء الذي يدعوهن إلى الانتظار تلك المدة، حتى لا يظهرن بمظهر من كن يتمنين وفاة أزواجهن والخلاص منهم.
ومن الأمثلة التي يتراءى فيها ذلك النمط من المجاز قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} (نوح: 17، 18) ففي إضافة الإنبات إلى ضمير المخاطبين قرينة دالة على أن المراد بهذا اللفظ اعتبار ما كان؛ لأن المخاطبين خلقوا من نطف آبائهم، وإنما خوطبوا بهذه الصورة من المجاز تذكيرًا بالأصل حتى يدركوا قدرة الله - عز وجل - على البعث، فالذي خلق الإنسان من تراب قادر على بعثه من جديد.
من هذا القبيل قول الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا} (طه: 74) ففي الآخرة لا يكون المرء مجرمًا؛ لأن الوصف بالإجرام يكون قبل الصيرورة إلى موقف الجزاء، وإنما أوثر لفظ المجاز لإيمائه إلى استحقاق العقاب الذي ينزل به.
{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون (245) }
نرى أن جملة {يَقْبِضُ} وقعت خبرًا للفظ الجلالة، وجملة {وَيَبْسُطُ} عطفت عليها بالواو؛ لأن القصد مجرد إشراك الثانية للأولى في الحكم الإعرابي، وهو وقوعها خبرًا للمبتدأ.