قوله تعالى: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً}
أي ما تلبسون من الثياب.
«فإن قيل» : فليس ذلك بمنزل من السماء؟
فعنه جوابان: أحدهما: أنه لما كان ينبت من المطر الذي نزل من السماء صار كالمنزل من السماء , قاله الحسن.
والثاني: أن هذا من بركات الله , والبركة تنسب إلى أنها تنزل من السماء , كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الحديد: 25] .
قوله عز وجل: {وَعَلَى الأَعَرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمُ}
أما الأعراف فسور بين الجنة والنار , قاله مجاهد , والسدي , وهو جَمْعٌ وَاحِدُهُ عُرْف وهو ما ارتفع عن غيره , ومنه عرف الديك وعرف الفرس , قال الراجز:
(كل كتاب لجمعه موافي ... كالعلم الموفي على الأعراف.)
وفي الذين على الأعراف خمسة أقاويل:
أحدها: أنهم فضلاء المؤمنين وعلماؤهم , قاله الحسن , ومجاهد , قال أمية بن أبي الصلت:
(وآخرون على الأعراف قد طمعوا ... بجنة حفها الرمان والخضر)
وهذا وإن كان شعراً جاهلياً وحال الأعراف منقول عن خبر يروى فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أمية قد وصل إلى علمه من الصحف الشرعية.
والثاني: أن يكون الله قد انطق به أمية إلهاماً لتصديق ما جاء به القرآن.
والثاني: أنهم ملائكة يُرَون في صور الرجال , قاله أبو مجلز.
والثالث: أنهم قوم بطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس , قاله حذيفة.
والرابع: أنه قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فجعلوا هنالك حتى يقضى الله من أمرهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة , قاله ابن مسعود.
والخامس: أنهم قوم قتلوا في سبيل الله وكانوا عصاة لآبائهم , قيل إنهم غزوا بغير إذنهم , وقد روى محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال: (هُمْ قَومٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيةِ آبَائِهِمْ , فَمَنَعَهُمْ قَتْلُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَنِ النَّارِ ومنعهم مَعْصِيَةُ آبَائِهِم أَنْ يَدْخُلُواْ الجَنَّةَ) ومعنى قوله: {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} يعني يعرفون أهل النار وأهل الجنة بعلامتهم التي يتميزون بها , وعلامتهم في وجوههم وأعينهم , قال الحسن البصري: علامة أهل النار سواد الوجوه وزرقة العيون , وعلامة أهل الجنة بياض الوجوه وحسن العيون.