وإنّما دعا إبراهيم مع العلم بانتقال النور في إسماعيل لئلا يكون نصيب العرب من محمّد صلّى الله عليه وسلّم كنصيب أهل بابل منه؛ حرموا أنواره مع علمه مخافة أن يصيب ذلك النور شيء بأن يوضع في غير الطاهر؛ لأنّ الوصيّة بذلك كانت قائمة من كلّ سلف إلى خلف حتى عبد الله ابن عبد المطّلب.
و (البعث) في اللغة تهييج وإثارة، وهو مستعمل في الإحياء وإنفاذ الرسول وتأمير الأمير وتوجيه الجند ونحوها.
{آياتِكَ:} يعني آيات القرآن.
{وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ:} الفرقان.
{وَالْحِكْمَةَ:} ما لا يحتاج في إدراكه إلى الوحي، كالفقه وما في معناه من العلوم المستنبطة في الشريعة.
{وَيُزَكِّيهِمْ:} أراد التسبب لزكاتهم وطهارتهم.
{الْعَزِيزُ:} من يعزّ نيله، أو يعزّ غيره، فالله تعالى لا ينال بعظيم الاقتدار، وهو الغالب على أمره، القاهر فوق خلقه.
130 - {وَمَنْ يَرْغَبُ:} على وجه الإنكار، كقوله: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ} [آل عمران:135] ، و {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:255] .
والرغبة عن الشيء: [هو] الزهد فيه وإيثار النفس عليه، والرغبة في الشيء: إرادته
على وجه الطمع، والرغبة إلى الشيء: هو الطمع فيه، فكأنّ الرغبة في الوجوه كلّها هي صرف الهمّة.
وفي {سَفِهَ نَفْسَهُ:} أربعة أقوال:
الأوّل: استخفّ نفس إبراهيم حين رغب عن ملّته، وكأنّ قولهم: فلان سفه الشراب، إذا أكثر منه، ومثل هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: (من سفه الحقّ) ، وهذا قول لم يرو عن الأئمّة.
والثاني: أنّه جهل نفسه، ومنه قوله: {عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً} [البقرة:282] ، ويحتمل قوله صلّى الله عليه وسلّم: (إلا من سفه الحق) ، وقولهم: فلان سفه رأيه. وجهل النفس يؤدّي إلى جهل منشئها، قال الله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:21] ، وقال صلّى الله عليه وسلّم:
(34 و) (من عرف نفسه فقد عرف ربّه) ، وإلى هذا ذهب الزجّاج.
والثالث: سفه في نفسه، فانتصب بنزع الخافض. ويحتمل هذا قوله: (إلا من سفه الحق) ، وقولهم: فلان سفه رأيه.