وروى الواقديّ عن أبي جهم بن حذيفة قال: أقبل إبراهيم عليه السّلام من الشام على البراق حاملا إسماعيل أمامه وهاجر خلفه، معه جبريل عليه السّلام يدلّه، وإسماعيل إذ ذاك ابن سنتين. وعن مجاهد ما يقرب هذا. ثمّ إنّ إبراهيم عليه السّلام انصرف إلى الشام فقالت هاجر: إلى من تدعنا؟ فقال: إلى الله، قالت: رضيت بالله. فلمّا غاب إبراهيم عليه السّلام وفني ماء القربة جزعت هاجر عطشا وخوفا على ابنها، فظهر لها ملك، قيل: هو جبريل عليه السّلام، فضرب بعقبه مكان بئر زمزم، فظهر الماء فوق الأرض، فتسارعت إليه، وبلّت طرف ردائها، وسقت إسماعيل عليه السّلام فصبّت الماء في فيه، ثمّ انصرفت إلى الماء فجعلت تجمع التراب لئلا يفيض الماء إشفاقا لها عليه، قال ابن عبّاس: لو تركته يفيض لكان يفيض إلى يوم القيامة.
ومكثت هاجر مع إسماعيل عليه السّلام خمسة أيّام يشربان من ذلك الماء، فلمّا كان اليوم السادس أقبل غلامان من العماليق النأزلين حول مكّة فأشرفا على الوادي فرأيا الماء فتعجّبا،
وانطلقا إلى قومهما بخبر الماء، فسار منهم جماعة حتى نزلوا الوادي، وقالوا لهاجر: من أنت أيّتها المرأة؟ ومن هذا الصبيّ؟ قالت: هذا ابن إبراهيم خليل الله ونبيّه، وهو ابني، وهذا الماء سقي من الله لنا، قالوا: صدقت فإنّ عهدنا بهذا الوادي قريب، وما فيه إذ ذاك ماء، فهل تأذنين لنا أن ننزل بهذا الوادي على أن نواسيكما بأموالنا؟ فأذنت استئناسا بالناس، فأقاموا معها سنين حتى شبّ إسماعيل، فقسموا له من أموالهم قسما، وعظّموه فيما بينهم، وعرفوا له حقّه. قيل:
وإنّ امرأته الأولى التي لم تلن الكلام لإبراهيم، ولم تستنزله كانت منهم، فطلّقها إسماعيل عليه السّلام، وقيل: إنّهما كانتا جرهميّتين.
ثمّ أقبل مضاض بن عمرو بن عبد الله بن جرهم بن قحطان من اليمن في قبيلة جرهم، وقيل: إنّ جرهما ليس بابن قحطان، وإنّما هو ابن أخي قحطان، واسم أبيه يفطر بن عابر، حتى انتهى إلى مكّة فزاحم العماليق ونفاهم، وزوّج ابنته من إسماعيل عليه السّلام.
{رَبِّ اجْعَلْ هذا:} إشارة إلى المكان والوادي.
{بَلَداً آمِناً:} أهله، كقوله: {آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً} [النحل:112] .
والمراد بالأمن ما اقتضاه الحرم من الأحكام المخصوصة به.