وإنّما عوقبوا لتمرّدهم وامتناعهم عن الشهادة إلى تحصيل منيتهم.
{وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ:} إلى الصاعقة حين نزلت، أي: ينظر بعضكم إلى هلاك بعض.
56 - {ثُمَّ بَعَثْناكُمْ:} "أحييناكم" {مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ:} حرقكم وهلاككم.
وهذه الرّجعة مثل رجعة الطيور الأربعة لإبراهيم، ورجعة (عاميل) في قصّة البقرة، ورجعة الذين قال لهم الله: موتوا ثمّ أحياهم، ورجعة عزير وحماره، ورجعة الموتى لعيسى، خلاف قول المتناسخة.
57 - {وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ:} أي: وجعلنا عليهم الغمام ظلّة.
والظّلّ: الستر، والظّلّة: السترة، والفرق بينهما أنّ الشيء يكون تحت الظلّ دون الستر، إلا أنّه يقال: الشمس مستظلّة، إذا كانت محتجبة بالسحاب، وفرق آخر أنّ الرائي يتخيّل الظلّ ولا يتخيّل الستر. وجمع الظلّ: ظلال، وجمع الظّلّة: ظلل. والظّليل هو الطيّب، قال الله تعالى:
{وَنُدْخِلُهُمْ} ظِلاًّ ظَلِيلاً [النساء:57] ، وقال في ضدّه: {لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} [المرسلات:31] . وأظلّك الطائر: إذا حاذاك وقرب منك وألقى ظلّه عليك، أعني ما يتخيّل.
ويستعار للشهر والزمان فيقال: أظلّ الشهر والزمان.
والغمام: غيم أبيض، وإنّما سمّي غماما لأنّه يغمّ السماء ويسترها، وللقاحه بالماء لأنّه يغمّ الماء في جوفه. وغمغمة السّحاب: صوته. والغمام واحد وجماعة، قال الحطيئة يمدح رجلا: [من الطويل]
إذا غبت عنّا غاب عنّا ربيعنا...ونسقى الغمام الغرّ حين تؤوب
و (المنّ) كان شيئا من جنس التّرنجبين، و (السّلوى) كان طيرا يشبه السّمانى، ولا واحد له من لفظه عند الأخفش، وقال الخليل: الواحد: سلواة، ويقال: السّلوى:
العسل، وقال: [من الطويل]
وقاسمها بالله...جهدا لأنتم
ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها
وإنّما أنعم عليهم بهذه في التّيه حين احتاجوا إلى الطعام وتأدّوا من حرّ الشمس.
والقول ههنا مضمر، وتقديره: (وقلنا: كلوا من طيّبات) ، كقوله: {كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة:60] ، وقوله: {مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الرعد:
23 -24]، [وقوله:] {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} [آل عمران:106] ، وقال امرؤ القيس: [من الطويل]
أفاطم مهلا بعض...هذا التدلّل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
و" (من) للتبعيض".