53 - {وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ:} يعني: التوراة، عن مجاهد، ذكرها باسمين كما يقال: سحقا وبعدا. ويقال: الكتاب: التوراة، والفرقان: نعته، والواو زائدة، قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48] . وقيل:
الفرقان: النصرة على فرعون، كقوله: {يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ} [الأنفال:41] ،
يعني: يوم بدر. وقيل: الفرقان: فرق البحر. وهو مصدر كالخسران والرّجحان. وقال قطرب: أعطينا موسى التوراة كما أعطينا محمّدا الفرقان، كأنّه خاطب عبد الله بن سلام فقال:
قد أعطيناكم علم موسى ومحمّد. وقيل: أعطينا موسى التوراة والفرقان، يعني صحفا كان قبل التوراة وفيه تبيان الحلال والحرام، والأمر والنهي، وغير ذلك.
54 -ثمّ عدل إلى المغايبة فقال: {وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ} بني إسرائيل.
والقوم: اسم للجماعة لا واحد له من لفظه، يطلق على العقلاء خاصّة.
{يا قَوْمِ:} تقديره: يا قومي، إلا أنّه اكتفى بكسرة الميم عن الياء، كما تقول: يا ربّ.
{ظَلَمْتُمْ:} ضررتم بأنفسكم في المآل بسلوك طريق الجور، فقالوا لموسى: فماذا تأمرنا؟ فقال لهم: {فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ:} خالقكم من اتّخاذكم العجل إلها، قالوا: وما توبتنا؟ قال: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:} ليقتل الذين لم يعبدوا العجل الذين عبدوا العجل.
والقتل: إبطال البنية ونقضها. وقيل: المراد به سلّموا أنفسكم للقتل، فكان الرجل يجلس بفنائه محتبيا لتضرب عنقه، فإن حلّ حبوته أو دافع لم تقبل توبته، وإلا كان كفّارة له، فلمّا كان وقت العشيّة نسخ الله ذلك الحكم ودفع عنهم الإصر.
{ذلِكُمْ:} القتل والتوبة، أو أحدهما.
{خَيْرٌ لَكُمْ} من الإباء والعناد.
{عِنْدَ بارِئِكُمْ} أي: في حكمه، كما يقال: عند أبي حنيفة.
ويقال بالعبرانيّة مكان قولنا: برأ الله: بوروا إيلوهيم.
والبريّة في الأصل مهموزة، وهي الخليقة.
55 - {وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى:} خطاب للسبعين الذين اختارهم موسى للميقات فقالوا: لن نشهد لك بالحقّ عند بني إسرائيل إلى أن نرى الله {جَهْرَةً:} معاينة. وإنّما قالوا: جهرة ليؤكّدوا قولهم، وينفوا إيهام الرؤيا والرؤية بالقلب.
{فَأَخَذَتْكُمُ:} أحرقتكم.
{الصّاعِقَةُ:} العذاب الذي فيه هلاك.