السادسة عشرة ودَلّت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد ، وثبت ذلك في صحيح السّنّة وزادت الحرث والماشية ؛ وقد كان أوّل الإسلام أمر بقتل الكلاب حتى كان يقتل كلب المرية من البادية يتبعها ؛ رَوى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من اقتنى كلباً إلاّ كلب صيد أو ماشية نَقص من أجره كل يوم قيراطان"ورُوي أيضاً عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط"قال الزهريّ: وذُكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال: يرحم الله أبا هريرة ، كان صاحب زرع ؛ فقد دلّت السّنّة على ما ذكرنا ، وجعل النقص من أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة ؛ إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنُبَاحه كما قال بعض شعراء البصرة ، وقد نزل بعمّار فسمع لكلابه نباحاً فأنشأ يقول:
نَزَلنا بعمار فأَشْلى كِلاَبه ...
علينا فكِدْنا بين بيتيه نُؤكَلُ
فقلت لأصحابي أسرّ إليهم ...
أذا اليومُ أم يومُ القيامةِ أطولُ
أو لمنع دخول الملائكة البيت ، أو لنجاسته على ما يراه الشافعيّ ، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه ؛ والله أعلم.
وقال في إحدى الروايتين:"قيراطان"وفي الأُخرى"قيراط"وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشدّ أذًى من الآخر ؛ كالأسود الذي أمر عليه الصلاة والسلام بقتله ، ولم يُدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها فقال:
"عليكم بالأسود البَهِيم ذِي النقطتين فإنه شيطان"أخرجه مسلم.
ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع ، فيكون مُمْسِكه بالمدينة مثلاً أو بمكة ينقص قيراطان ، وبغيرهما قيراط ؛ والله أعلم.
وأما المباح اتخاذه فلا ينقص أجر متّخذه كالفرس والهِرّ ، ويجوز بيعه وشراؤه ، حتى قال سحنون: ويحجّ بثمنه.
وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يَسْرَح معها لا الذي يحفظها في الدار من السُّرّاق.