ثم نصّ الله تعالى على حالة الضرورة التي هي استثناء من الأحكام العامة، فذكر أن المحرمات السابقة حرام على جميع المسلمين في كلّ الأحوال، إلا المضطر، الذي حمل قهرا على تناول شيء من الحرام، أو الضار، فمن اضطر في حال مجاعة إلى أكل شيء مما ذكر من المحرمات، غير متجانف لإثم أي غير مائل إلى حرام لذاته، ولا راغب في التمتع بما يوجب الإثم، فله أن يتناول شيئا منها ليدفع الضرورة والضرر وبقدر الضرورة، لا للتلذذ ولا لتجاوز الحدود التي يحتاج إليها لسدّ الرّمق، فإن الله غفور لمثله يغفر لمتناول الحرام، رحيم بخلقه حيث أباح لهم ما يدفع الضرر بما هو محرّم.
وقوله تعالى: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ بمنزلة قوله في سورة البقرة: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [2/ 173] .
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى الأحكام الآتية:
1 -تحريم الميتة وما في حكمها(المنخنقة، والموقوذة، والمتردية،
والنطيحة، وما أكل السبع منه، والمذبوحة على النصب: حجارة حول الكعبة، وما أهل لغير الله به: ذكر اسم غير الله عليه).
2 -حرمة الدّم ولحم الخنزير.
3 -إباحة البهيمة المذكاة، والتي أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت وهي المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع منه وما أهل لغير الله به.
4 -إباحة المحرمات المذكورة عند الاضطرار إليها لدفع الضرر.
5 -الضرورة مقيّدة بقيدين: الأول- أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط.
والثاني- ألا يتجاوز ما يسدّ الرّمق لأن الضرورة تقدر بقدرها. فإن قصد التّلذذ، أو تجاوز مقدار الضرورة وقع في الحرام.
والتذكية (الذبح الشرعي) تعمل في البهيمة الصحيحة والمريضة، فيجوز تذكية المريضة ولو أشرفت على الموت إذا كان فيها بقية حياة.
ويرى الجمهور أن ذكاة الأم تؤثر في الجنين لما
أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعلي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»
وفي رواية أخرى: «ذكاة الجنين ذكاة أمّه، أشعر أو لم يشعر» .
ويرى أبو حنيفة: أنه إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتا، لم يحل أكله لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين.