قرأ ابن عباس هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ ... فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتّخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة. وروى مسلم والأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال: وأي آية؟
قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعرفة في يوم جمعة.
وليس المراد بإكمال الدّين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله، وإنما المراد أن الأحكام صارت غير قابلة للنسخ، وأصبحت مؤبدة صالحة لكل زمان ومكان، والمراد بالإكمال: إتمامه في نفسه وفي ظهوره، أما إتمامه في نفسه فباشتماله على الفرائض والحلال والحرام، والتنصيص على أصول العقائد وأسس التشريع وقوانين الاجتهاد، مثل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص 112/ 1] ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ
[الشورى 42/ 11] ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الأنعام 6/ 73 ومواضع أخرى] ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل 16/ 90] ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [النحل 16/ 91] ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران 3/ 159] ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى 42/ 40] ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام 6/ 164 ومواضع أخرى] ، وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [المائدة 5/ 2] .
وأما إتمامه في ظهوره: فبإعلاء كلمته وتفوقه على كل الأديان، وتوافقه مع المصالح العامة، وانسجامه مع التطور، ووسطيته وتوازن المصالح الخاصة والعامة فيه.