-أمّا الكتاب: فهو قول الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (الطلاق: 6) ، وقال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} (القصص: 26، 27) .
وروى ابن ماجه في سننه عن عتبة بن الندر قال: كنّا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقرأ: {طَس} (النمل: 1) حتى إذا بلغ قصة موسى قال: (( إنّ موسى -عليه السلام- آجرَ نفسَه ثماني حجج أو عشرًا على عِفّة فرجه، وطعام بطنه ) )قال تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} (الكهف: 77)
هذا يدل على جواز أخذ الأجر على إقامته.
وأمّا السنة: فثبت (( أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر استأجرَا رجلًا من بني الدَّيْل هاديًا خريتًا ) )والخريت: الماهر بالهداية، هذا الحديث أخرجه البخاري.
وروى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( قال الله -عز وجل-: ثلاثة أنا خَصمهم يوم القيامة: رجل أعطَى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفَى منه ولم يوفّه أجره ) ).
والأخبار في هذا كثيرة.
وأجمع أهل العلم في كلّ عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلّا ما يُحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنّه قال: لا يجوز ذلك؛ لأنه غرر، يعني: أنه يعقد على منافع لم تخلق، وهذا غَلَط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار، وصار في الأمصار، والعبرة أيضًا دالة عليها، فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلمّا جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك، فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعًا.