وهذا مني كبيرة ومعصية وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا، وبين أن يكون أنت، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي.
ومن المعلوم أن إرادة صدور الذنب من الغير في هذه الحالة، وعلى هذا الشرط لا يكون حراما. ويجوز أن يكون المراد: إني أريد أن تبوء بعقوبة قتلي. ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من الله عقاب ظالمه.
وقال صاحب الانتصاف: فأما إرادته - أي إرادة هابيل - لإِثم أخيه وعقوبته - في قوله - تعالى {إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} - فمعناه: إني لا أريد أن أقتلك فأعاقب.
ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين إما إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم وكان غير مريد للأول. اضطر إلى الثاني.
فهو لم يرد إذا إثم أخيه لعينه، وإنما أراد أن الإِثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل - ولم تكن حينئذ مشروعة - فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا كما يتمنى الإِنسان الشهادة، ومعناه أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه في ذلك من الإِثم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه، وإنما أراد أن يبذل نفسه في سبيل الله.
{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}
أي: ومن تسبب في إحيائها وصيانتها من العدوان عليها، كأن استنقذها مما يؤدي بها إلى الهلاك والأذى الشديد، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق، من فعل ذلك فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعا.
وفي هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب في صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان عليها، حيث شبه - سبحانه - قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا، وإحياءها بإحياء الناس جميعا.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف شبه الواحد بالجميع، وجعل حكمه كحكمهم؟
قلت: لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله، وثبوت الحرمة. فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته، وعلى العكس. فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك.
«فإن قلت» : فما الفائدة في ذكر ذلك؟
قلت: نعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا، عظم ذلك عليه فثبطه - عن القتل - وكذلك الذي أراد إحياءها.
وقال الإِمام ابن كثير: قال الحسن وقتادة في قوله تعالى {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً} . . إلخ.