هذا تعظيم لتعاطي القتل. قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها. وقيل للحسن: هذه الآية لنا كما كانت لبني إسرائيل؟
فقال: إي والذي لا إله غيره - هي لنا كما كانت لهم. وما جعل - سبحانه - دماءهم أكرم من دمائنا.
وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المراد بالنفس في قوله {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً} : العموم أي: نفسا يحرم قتلها من بني الإِنسان.
وبعضهم يرى أن المراد نفس الإمام العادل، لأن القتل في هذه الحالة يؤدي إلى اضطراب أحوال الجماعة، وإشاعة الفتنة فيها. قال القرطبي: روى عن ابن عباس أنه قال: المعنى: من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره، فكأنما أحيا الناس جميعا.
ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى، لأنه هو الذي عليه جمهور العلماء، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الإِنسانية، وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام.
(وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ(43)
أي أن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب، لأنهم يحكمونك - يا محمد - في قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك ومع أن كتابهم التوراة قد ذرك حكم الله صريحا واضحا فيما يحكمونك فيه.
فالاستفهام في قوله: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ} للتعجب من أحوالهم حيث حكموا من لا يؤمنون به قضية حكمها بين أيديهم، ظنا منهم أنه سيحكم بينهم بما اتفقوا عليه مما يرضى أهواءهم وشهواتهم.
وقوله: {وَعِنْدَهُمُ التوراة} جملة حالية من الواو (يحكمونك) والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.
قال صاحب الكشاف:
فإن قلت {فِيهَا حُكْمُ الله} ما موضعه من الإِعراب؟
قلت: إما أن ينتصب على الحال من التوراة، وكلمة التوراة، وكلمة التوارة هي مبتدأ والخبر (عندهم) وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك: وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله. وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة مبينة، لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره.
{يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ}
والمراد بقوله: {النبيون} من بعثهم الله في بني إسرائيل من بعد موسى لإِقامة التوراة.