وقوله: الذين أسلموا صفة للنبيين. أي: أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة والطاعة.
وعن الحسن والزهري وقتادة: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا محمدا صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه حكم على اليهوديين الذين زنيا بالرجم، وكان هذا حكم التوراة. وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له.
وقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون: الأنبياء كلهم يهود أو نصارى - فقال تعالى {يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ} يعني أن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية أو النصرانية، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه.
(وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ(46)
قوله: {وَقَفَّيْنَا} معطوف على قوله قبل ذلك {أَنزَلْنَا التوراة} وأصل القفو اتباع الأثر: يقال قفاه يقفوه أي: اتبع أثره، والتقفية: الاتباع، يقال: قفيته بكذا أي اتبعته. وإنما سميت قافية الشعر قافية؛ لأنها تتبع الوزن، والقفا مؤخر الرقبة. ويقال: قفا أثره إذا سار وراءه واتبعه.
قال صاحب الكشاف: قفيته مثل عقبته، إذا أتبعته. ثم يقال قفيته وعقبته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء.
فإن قلت فأين المفعول الأول في الآية؟
قلت هو محذوف. والظرف الذي هو"على آثارهم"كالسّاد مسّده، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه. والضمير في قوله: {على آثَارِهِم} يعود على النبيين في قوله: {يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ} وقوله: {آثَارِهِم} جمع أثر وهو العلم الذي يظهر للحس. وآثار القوم: ما أبقوا من أعمالهم. وقوله {على آثَارِهِم} تأكيد لمدلول فعل"قفينا"وإيماء إلى سرعة التقفية.
وقوله. {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: لما تقدمه، لأن ما بين يدي الإِنسان كأنه حاضر أمامه.
والمعنى وأتبعنا على آثار أولئك النبيين الذين أسلموا وجوههم الله، وأخلصوا له العبادة والذين كانوا يحكمون بالتوراة - كموسى وهارون وداود وسليمان وغيرهم - أتبعنا على آثارهم بعيسى ابن مريم ناهجا نهجهم في الخضوع والطاعة والإِخلاص لله رب العالمين ومصدقا للتوراة التي تقدمته، ومنفذا لأحكامها إلا ما جاء نسخه في الإِنجيل منها.