قلت كأنه لم يثق بهما كل الوثوق، ولم يطمئن إلى ثباتهما لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحية من أحوال قومه، وتلونهم وقسوة قلوبهم فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره. ويجوز أن يكون قال ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم تقليلا لمن يوافقه. ويجوز أن يريد ومن يؤاخيني على ديني.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف كان قوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} جوابا لقوله: {لأَقْتُلَنَّكَ} ؟
قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟
ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟
فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق.
(إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(29)
وقوله: {أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أي ترجع. وتقر: من البوء وهو الرجوع واللزوم، يقال: باء إليه: أي: رجع، وبؤت به إليه أي رجعت.
والآية الكريمة تعليل آخر لامتناعه عن بسط يده إلى أخيه، ولم تعطف على ما قبلها للإِيذان باستقلالها في العلية، ولدفع توهم أن تكون جزء علة لا علة تامة.
والمعنى {إني أُرِيدُ} بامتناعي عن التعرض لك ببسط يدي {أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} .
أي: ترجع إلى بإثم قتلك إياي، وبإثمك الذي قد كان منك قبل قتلي، والذي بسببه لم يتقبل قربانك {فَتَكُونَ} بسبب الإِثمين {مِنْ أَصْحَابِ النار} في الآخرة {وَذَلِكَ} أي: كينونتك من أصحاب النار {جَزَآءُ الظالمين} الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم.
قال الإِمام الرازي:
«فإن قيل» : كما لا يجوز للإِنسان أن يريد نفسه أن يعصي الله، فكذلك لا يجوز له أن يريد من غيره أن يعصي الله، فلم قال: {إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} ؟
فالجواب: أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله، وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به، وكأنه لما وعظه ونصحه قال له: وإن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلابد وأن تترصد قتلى في وقت أكون غافلا عنك وعاجزا عن دفعك فحينئذ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلا إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان.