قم، فاخرج إلى عيالك بسلام. فقلت: واويلاه سلبت الدنانير والصينية، وأخرج إلى عيالي في هذه الحالة. إنّا لله وإنّا إليه راجعون فرفع الستر الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، فلما رفع الخادم الستر الأخير قال لي: مهما كان لك من الحوائج، فارفعها إلي فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به، فلما رفع الستر رأيت حجرة كالشمس حسنا ونورا واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك، وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج، وحمل إلي ألف ألف درهم وعشرة آلاف دينار ومنشورين بضيعتين، وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق، وأقمت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب اصطنعوني، فلما جاءتهم البلية، ونزل بهم من أمير المؤمنين الرشيد ما نزل، أجحفني عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل عليّ الدهر كنت في أواخر الليل أقصد خرابات القوم، فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إليّ وأشكرهم على إحسانهم.
فقال المأمون: عليّ بعمرو بن مسعدة، فلما أتي به قال: يا عمرو: أتعرف هذا الرجل؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين هو بعض صنائع البرامكة، قال: كم ألزمته في ضيعته؟ قال: كذا وكذا، قال: رد له كل ما أستأديته منه في مدته، ووقع له بهما ليكونا له ولعقبه من بعده، قال:
فعلا نحيب الرجل وبكاؤه، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال: يا هذا قد أحسنا إليك، فلم تبكي؟ قال: يا أمير المؤمنين وهذا أيضا من صنائع البرامكة، إذ لو لم آت خراباتهم، فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين، ففعل ما فعل، فمن أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين.
قال إبراهيم بن ميمون، فلقد رأيت المأمون قد دمعت عيناه، وظهر عليه حزنه وقال: لعمري هذا من صنائع البرامكة، فعليهم فابك، وإياهم فاشكر، ولهم فأوف ولإحسانهم فاذكر.
وقيل: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل، ودوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وكثرة بكائه على ما مضى من زمانه قال الشاعر:
سقى الله أطلال الوفاء بكفّه ... فقد درست أعلامه ومنازله
وقال آخر:
أشدد يديك بمن بلوت وفاءه ... إنّ الوفاء من الرجال عزيز