وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقدمه المدينة ليلة فقال:"ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة"، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة السلاح، فقال:"من هذا"؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما جاء بك"؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نام، متفق عليه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرس ليلًا حتى نزلت: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه من القبة، فقال:"أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله". أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب.
وقيل: وفي الجواب عن هذا: إن هذه الآية نزلت بعد ما شجّ رأسه في يوم أحد, لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا. وقد وضعت هذه الآية - وهي مكية - في سياق تبليغ أهل الكتاب وهو مدني، لتدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عرضةً لإيذائهم أيضًا، وأن الله تعالى عصمه من كيدهم، ولتذكر بما كان من إيذاء مشركي قومه من قبلهم.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) }
فإن قلت: قد قال الله تعالى في أول الآية: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} ثم قال في آخر الآية: {مَنْ آمَنَ} فما فائدة هذا التكرار؟
قلت: فائدته أنَّ المنافقين كانوا يظهرون الإِسلام ويزعمون أنهم مؤمنون، ففي هذا التكرار إخراجهم من قبيل المؤمنين فيكون معنى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} ؛ أي: بألسنتهم لا بقلوبهم ثم قال: {مَنْ آمَنَ} يعني من ثبت على إيمانه، ورجع عن نفاقه منهم.
وقيل: فيه فائدة أخرى وهي: أن الأيمان يدخل تحته أقسام كثيرة، وأشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر، ففائدة التكرار التنبيه على أن أشرف أقسام الإيمان هذان القسمان.
{وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) }