الوجه الخامس: أنه منصوب على الاستثناء المكرر ، يعني أنه هو وقوله:"إِلاَّ مَا يتلى [عَلَيْكُمْ] "مستثنيان من شيء واحد ، وهو بهيمة الأنعام.
نقل ذلك بعضهم عن البصريين ، قال: والتقدير: إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد ، وأنتم محرمون ، بخلاف قوله تعالى: {إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ} [الذاريات: 32] على ما سيأتي بيانه.
قال هذا القائل: ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام ؛ لأنه مستثنى من الإباحة ، وهذا وجه ساقط ، فإذاً معناه: أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلِّي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد. انتهى.
وقال أبو حيان: إنما عرض الإشكال من جعلهم غير محلّي الصيد حالاً من المأمورين بإيفاء العقود ، أو من المحلّل وهو الله تعالى ، أو من المتلو عليهم وغرَّهم في ذلك كونه كتب"مُحِلِّي"بالياء ، وقدروه هم أنه اسم [فاعل] من"أحَلَّ"وأنه مضاف إلى"الصيد"إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول ، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة ، وأصله غير محلِّين الصيد ، إلا في قول من جعله [حالاً] من الفعل المحذوف ، فإنه لا يقدر حذف نون ، بل حذف تنوين ، وإنما يزول الإشكال ويتضح المعنى بأن يكون قوله:"مُحِلِّي الصيد"من باب قولهم: حِسَان النِّسَاء ، والمعنى: النساء الحسان ، فكذلك [هذا] أصله غير الصيد المُحلّ ، [والمحل] صفة للصيد لا للناس ، ولا للفاعل المحذوف.
ووصف الصيد أنه"محل"على وجهين:
أحدهما: أن يكون معناه دخل في الحل ، كما تقول: أحَلَّ الرجل إذا دخل في الحِلِّ ، وأحرم إذا دخل في الحرمِ.
والوجه الثاني: أن يكون معناه صار ذا حلٍّ أي: حلالاً بتحليل الله تعالى ، وذلك أن الصيد على قسمين: حلال وحرام.
ولا يختص الصيد في لغة العرب بالحلال ، لكنه يختصُّ به شرعاً ، وقد تجوزت العرب ، فأطلقت الصيد على ما لا يُوصَفُ بحلّ ولا حُرْمة.
كقوله: [البسيط]