وأما الذي اشترط البصريون فيه التنكير ، أو ما قاربه ، فإنما اشترطوه في النعت بـ"إلاَّ"فيُحتمل أنه اختلط على أبي محمد شرط النعت ، فجعله شرطاً في البدل ، هذا كله إذا أريد بالمتلوِّ عليهم تحريمه في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة} [المائدة: 3] إلى آخره.
وإن أريد به الأنعامُ والظباء وبقرُ الوحش وحُمره ، فيكون منقطعاً بمعنى"لكن"عند البصريين ، وبمعنى"بل"عند الكوفيين.
وسيأتي بيان هذا المنقطع [بأكثر من هذا] في نصب"غير".
قوله:"غَيْرَ"في نصبه خمسة أوجه:
أحدها: أنه حال من الضمير المجرور في"لكم"، وهذا قول الجمهور ، وإليه ذهب الزمخشري ، وابن عطية وغيرهما.
وقد ضعف هذا الوجه بأنه يلزم منه تقييدُ إحلال بهيمة الأنعام لهم بحال كونهم غَيْرَ محلِّي الصيد ، وهم حرم ؛ إذْ يصير معناه: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [في حال كون انتفاء كونكم تحلون الصيد ، وأنتم حرم ، والغرض أنهم قد أحلت لهم بهيمة الأنعام] في هذه الحال وفي غيرها ، هذا إذا أريد ببهيمة الأنعام نفسها.
وأما إذا عني بها الظباء ، وحُمُر الوحش ، وبقره على ما فسَّره بعضهم ، فيظهر للتقييد بهذه الحالة فائدة ؛ إذ يصير المعنى"أحلّت لكم"هذه الأشياء حال انتفاء كونكم تحلُّون الصيد وأنتم حرم ، فهذا معنى صحيح ، ولكن التركيب [الذي قدرته لك] فيه قَلَقٌ ولو أريد هذا المعنى من الآية الكريمة لجاءت به على أحسن تركيب وأفصحه.
القول الثاني: وهو قول الأخفش وجماعة أنه حال من فاعل"أوفوا"، والتقدير: أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلِّين الصيد وأنتم حُرم ، وقد ضعفوا هذا المذهب من وجهين:
الأول: أنه يلزم [منه] الفَصْلُ بين الحال وصاحبها بجملة أجنبية ، ولا يجوز الفَصْل إلا بجمل الاعتراض ، وهذه الجملة وهي قوله: {أحلَّت لكم بهيمة الأنعام} ليست اعتراضية ، بل هي منشئة أحكاماً ومبينة لها.