تَرَى أَنَّ مُعْظَمَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي مُحَاجَّةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، مَعَ شَيْءٍ مِنْ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ ، وَهُوَ مَا تَكَرَّرَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَأُطِيلَ بِهِ فِي آخِرِهَا ، فَهُوَ أَقْوَى الْمُنَاسَبَاتِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ ، وَأَظْهَرُ وُجُوهِ الِاتِّصَالِ ، كَأَنَّ مَا جَاءَ مِنْهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مُتَمِّمٌ وَمُكَمِّلٌ لِمَا فِيمَا قَبْلَهَا . وَفِي كُلٍّ مِنَ السُّورَتَيْنِ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَمِنَ الْمُشْتَرَكِ مِنْهَا فِي السُّورَتَيْنِ: آيَتَا التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ ، وَحُكْمُ حِلِّ الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ، وَزَادَ فِي الْمَائِدَةِ حِلُّ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَكَانَ مُتَمِّمًا لِأَحْكَامِ النِّكَاحِ فِي النِّسَاءِ . وَمِنَ الْمُشْتَرَكِ فِي الْوَصَايَا الْعَامَّةِ: الْأَمْرُ بِالْقِيَامِ بِالْقِسْطِ ، وَالشَّهَادَةُ بِالْعَدْلِ مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ لِأَحَدٍ ، وَكَذَا الْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى ، وَمِنْ لَطَائِفِ التَّنَاسُبِ فِيهِمَا ، أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ مَهَّدَتِ السَّبِيلَ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، وَسُورَةَ الْمَائِدَةِ حَرَّمَتْهَا أَلْبَتَّةَ ، فَكَانَتْ مُتَمِّمَةً لِشَيْءٍ فِيمَا قَبْلَهَا ، وَانْفَرَدَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ بِأَحْكَامٍ قَلِيلَةٍ فِي الطَّعَامِ وَالصَّيْدِ وَالْإِحْرَامِ ، وَحُكْمِ الْبُغَاةِ الْمُفْسِدِينَ ، وَحَدِّ السَّارِقِ ، وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ كَمَالِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ الْمُؤْذِنَةِ بِتَمَامِهَا ، كَمَا انْفَرَدَتِ"النِّسَاءُ"بِأَحْكَامِهِنَّ وَأَحْكَامِ الْإِرْثِ وَالْقِتَالِ ، وَهِيَ مِمَّا كَانَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عِنْدَ