إذا تذكرنا هذا هؤلاء الناس إرتكبوا جُرماً عظيماً. مع هذا الجرم العظيم كأن عيسى - عليه السلام - يريد لهم المغفرة لكن لم يشأ أن يُصرِِّّح والآيات تعطينا هذه الصورة. هو كأنما يطمع لهم بالمغفرة لكن لا يستطيع أن يصرّح وأن يقول (الغفور الرحيم) معناها كأنه يريد لهم المغفرة لأنه هو يدعوه. كما تقول لشخص: هذا فلان فقير وأنت إنسان كريم. يعني تتوسط أن يعطيه. فهو لم يشأ ذلك. لاحظ الجرم العظيم الذي إرتكبه هؤلاء. (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ماذا صنع هؤلاء؟ هؤلاء إتخذوا المسيح وأمه آلهة من دون الله. فقال عيسى - عليه السلام - (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116) (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117 ) ) وسبق أن قلنا (توفيتني) تكلمنا عن وفاة عيسى - عليه السلام - وقلنا أن الوفاة المرجح فيها إستيفاء أيامه في الدنيا كاملة فرفعه الله عز وجل إليه حيّاً (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي)
* لمَ قدّم العذاب؟ قدّم إن تعذبهم على إن تغفر لهم لأن العذاب هو الأصل. الأصل فيهم أن يُعذبوا. الأصل في المشرك بالله سبحانه وتعالى العذاب والمغفرة إستثناء. فبدأ بالأصل (إن تعذبهم) ثم جاء إلى الإستثناء إحتمال المغفرة. فقدّم ما هو أصل ثم ثنّى بما هو إستثناء على الأصل وربطه بالعزة والحكمة وليس بالغفران.