أن تبيدَ هذه أبدًا، كأنه أخذ مِن الله عهدًا بذلك، أو أنه هو الذي نماها وجعلها بهذا الشكل بذَكائه ومقدرته حتى اطمأنَّ إلى أنَّ هذه لن تبيد، وبهذا يكون قد نسب ما بها من نماءٍ إلى نفسه وصُنْعه، وكأنه شابَهَ في هذا الأمر قارونَ الذي نسَب كثرةَ المال إلى عِلمه: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا} [القصص: 78] ، وعلى هذا يكون قد مشى قُدمًا في طريق الجحود، وأن شيطانه ينقُلُه من ذنبٍ إلى ذنب أكبرَ، فقال: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 36] ، فانتقل حالُه من الفخر بالمال والتكبُّر على صاحبه إلى الغرور بأن هذه لن تبيدَ أبدًا، كأنه مُنشِئها، ثم أظهَر بعد ذلك الكفرَ والجحود، فأنكَر قيام الساعة، أو أنه سينقلب إلى ربِّه بعد ذلك، فمعنى كلامه أنه غيرُ موقِن بالحساب، ثم قال: إنْ كان هناك آخرة، فإنه سيُعطَى خيرًا من جنتيه، فطالما أنه استحقَّ هاتين الجنَّتين في الدنيا، فإنه بالتأكيد سينال أفضلَ في الآخرة، وهذا قياس باطلٌ؛ فإن اللهَ يُملي للظالمِ في الدنيا ثم يأخُذُه، فإذا أخَذه لم يُفلِتْه؛ قال الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178] ، ولقد أحسَّ صاحبُه الفقير أنه قد اشتط في غيِّه، وخرَج عن حدِّ الإيمان، ودخَل في الكفر؛ {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 37، 38] ، وقال له: لكني أنا أقول: إن اللهَ ربي، ولا أشركُ بربي أحدًا، ثم إن اللهَ قد أحاط بجنَّتيه، فأصبحتا خاويتينِ على عروشها، فأخَذ يضرب كفًّا بكف؛ ألَمًا وأسَفًا وحسرة، {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 42] [1] ، وهكذا فإن المالَ قد فَتَنَه وأضلَّه، فاضطرب تفكيرُه، فضَلَّ، فكان مالُه وبالًا عليه؛ فالمال له سَكْرة في النَّفس مثل سَكْرة الخَمر أو أشد، وسَكرته تبطر الإنسانَ، وتُذهِب تفكيرَه في حاله ومآله.
ومَثَله هذا كمَثَل العاص بن وائل السهمي الذي كان يظُنُّ - حسب ضلاله - أنه سيؤتى المالَ والولد إذا كان في الآخرة كالذي له في الدنيا، فزجَره الله، وكذَّب قوله؛ قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم: 77 - 80] ، وكان عليه دَيْن لخبَّاب بن الأرتِّ، فطالبه به فقال: لا أعطيك حتى تكفرَ بمحمد، فقال: والله لا
(1) الآيات المُستشهَدُ بها من سورةِ الكهف 32 - 42.