* يتجه المبدعون في المغرب العربي إلى كتابة إنتاجاتهم الفكرية بلغات أجنبية، فما أثر ذلك في واقع الثقافة الوطنية؟
هناك مسألتان:
المسألة الأولى: تتعلق باتجاه بعض المغاربة إلى الكتابة باللغة الفرنسية، وهذا أمر مرتبط بثقافة بعض المفكرين المغاربة، وبقايا الاستعمار- على تفاوت بين بلد وبلد من بلدان المغرب العربي - وانفتاح هذه الدول على أوربا التي لا يفصلنا عنها إلا عشرة كيلومترات - مضيق جبل طارق - الخطورة لا تكمن في الكتابة باللغة الفرنسية، فكتب المفكر المبدع الإسلامي مالك بن نبي التي تفضل أستاذنا عبد الصبور شاهين بترجمتها، كلها كتبت باللغة الفرنسية، بل تكمن في الانسلاخ والذوبان في الآخر، وخدمة لغته والدعاية لها بالمجان، وعلى حساب اللغة الوطنية والدينية للأمة! للأسف يوجد لدينا كتاب رديئون بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى لم ينسلخوا من لغتهم فقط، بل انسلخوا من جلودهم وتحولوا إلى دعاة للفتن، ونصبوا للأمة الكمائن وكلفوها ما لا تطيق!
المسألة الثانية: يظن كثير ممن لا يعرفون دول المغرب العربي أن اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى، وأن حظ المغاربة من العربية ضعيف، وهذا القول فيه تجن كبير، فالغرب الإسلامي بجامعاته الإسلامية: القيروان، و الزيتونة، والقرويين، بمدارسه العتيقة، وبأعلامه المبرزين: من النحويين واللغويين والمفسرين الذين يضيق المكان بتعدادهم، أسهم وما زال في الحفاظ على العربية نقية ساطعة، مع أن أصله ليس عربيا! كما أن المغاربة يحرصون على تعليم العربية وعلومها باللغة العربية، ويمنعون استعمال العامية في التدريس في جميع المراحل الدراسية منعا مطلقا، والمغاربة يميزون بين العامية والفصحى، ولا يعدون عاميتهم لغة عربية ولا قريبة من العربية، في حين كثير من الشعوب يعدون عاميتهم هي الفصحى ويتساهلون في التعليم بها، وهذا مما ينقض البناء ويُدب فيه الضعف والوهن!
* إذا انتقلنا إلى مؤلفاتك، نجدها تدور في دائرة النحو وعلوم اللغة، فما مساحة الشعر والأدب على خارطة اهتمامك؟
أنا أحب الشعر وأتذوقه وأتغنى به، لكنني لست بشاعر، كانت لدي بعض المحاولات في مرحلة من مراحل عمري، لكنني لم أوفق، فكأنني لم أخلق لأكون شاعرا!
* هل لك آراء أو ملاحظات في مجال الشعر؟
لقد حرمت الشعر قولا، لكنني لم أحرم النظر فيه، فأنا أركز دائما في مناقشاتي مع الشعراء وعشاق الشعر، بأنه لا يوصف بالشعر إلا الشعر، ولا يصح منه إلا الصحيح، هناك فوضى في هذا المحراب الذي أصبح مستباحا، الشعراء في الأمة كثر، ولم يعودوا أربعة!!! وأصبح الناس لا يحترمون المواهب، ويفسدون على الشعراء بيئتهم وصفاءهم، بالضجيج وسفاسف الأقوال، الشعر يساوي المعاناة يساوي قضايا الأمة، يساوي الهموم، يسبر الأعماق ليعبر عما يعجز النثر عنه، ومن ليست له قضية فليدع الشعر جانبا، ولاشينَ في ذلك!
إن نسبة مئوية عالية مما نقرأ لا نسب بينها وبين الشعر، ضآلة وضحالة فنية وسطحية ومباشرة في المعالجة والعرض، لكن على ورق صقيل أملس، وبغلاف ذهبي جذاب، ومهما كلفت طباعته، فإنه ليس بشعر، ولن يكون شعرا!!!
إن نسبة مئوية عالية مما نقرأ هي في الغزل بالمعنى المادي - ليس بالمعنى الرمزي لأن أصحابه لا يميزون بين الحقيقة والرمز - وهذا دليل إضافي على أن مسافة بعيدة تفصل هؤلاء عن الشعر، وأن الرشد أصبح غاية بعيدة المنال، الأمة في حاجة إلى الشعر والشعراء الذين يعانقون همومها وجراحها المثخنة، ويعالجون مآزقها بالكلمة الشاعرة، بالومضة السحرية، بالبريق الأخاذ!
* يقول أحمد مطر:
لمن نكتب .. والناس ما بين أصم وضرير ... ؟!
فهل بتنا نعيش زمانا فقدت الكتابة فيه قيمتها؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)