بالنسبة للبيئة التي نشأت فيها، هي بيئة بسيطة - ليس بالمعنى المنطقي -فمدينة وجدة، مدينة صغيرة نسبيا، ومحافظة، ليست لها جذور علمية بالقياس مع الحواضر العلمية الكبرى بالمغرب، وقد أتاح لي هذا الهدوء فرصا أكبر للتأمل والتفكير والتعمق في دراسة اللغة العربية، وقد أسست حبا للغة العربية انطلاقا من خصائصها، وليس مما كاله المحبون لها من مديح، ممن جعلوها أصل اللغات، أو لغة الجنة ... وبالمناسبة لم يصح حديث واحد من الأحاديث التي تربط العربية بالجنة! إذن، كل إنسان مجبول على حب لغته ولو كانت"محدودة"، لكن الناس عموما يعجزون عن تفسير هذا الحب، فيعيدونه إلى أشياء لا علاقة لها بجوهر اللغة.
* لماذا اخترت مجال النحو والصرف؟
دفعني إلى هذا التخصص محبتي للغة القرآن، وموقع هذه اللغة من العقيدة الإسلامية، فبالنحو نفسر كلام الله تعالى وننفذ إلى إدراك أحكامه التشريعية وأسراره البلاغية، فضلا عن أن هذا المجال قليل من يرتاده، لأن النحو مادة عصية تحتاج إلى معدة قوية، وكذلك سائر علوم الآلة، كما دفعني في هذا الاتجاه فقر الجامعات وحاجتها إلى مدرسين أكفاء للنحو والصرف، وقد لمست في نفسي - بغرور الشباب - استعدادا لهذه المهمة، فرشحت لها نفسي متوكلا على الله.
* يشيع لدى الطلبة أن مادة النحو، مادة جامدة، ليست أبعد من قواعد مرصوصة على الورق، فما هو الأسلوب الذي نستطيع من خلاله الكشف عن جوهر مادة النحو؟
هذا الوصف الذي وصف به النحو العربي ينطبق على كل أنحاء العالم، وليس النحو العربي بدعا بين الأنحاء، وليس بأصعب من النحو الألماني أو الروسي أو الصيني! وما يقوله الطالب العربي يقوله غيره، الناس بطبعهم يميلون إلى التحرر من القيود، وينفرون من القواعد، بالنسبة إلينا لقد زاد الطين بلة - كما يقال- إغراقنا في العاميات، واتساع الهوة بين الفصحى والعامية، وانتشار الأمية، وبسبب ذلك صار النحو ضربا من التنظير، لا يسنده واقع عملي، ولا بيئة لغوية سليمة، التلوث اللغوي لا يسمح للنحو ولا للغة بالتنفس! فلو افترضنا بيئة لغوية معافاة من الأوبئة، لما كنا في حاجة إلى النحو أصلا، إلا لمن أراد أن يتخصص في إدراك البعد النظري للعربية باعتبارها لغة طبيعية. لكن في غياب البيئة النظيفة لا يوجد أمامنا إلا ما نحو بصدده، فالنحو وسيلة مساعدة لاكتساب الملكة، ويجب أن يضاف إليه حفظ القرآن الكريم والنصوص البليغة، و الإدمان على القراءة والكتابة والسماع، فضلا عن جهود كل من يشتغل بالعربية من النقاد والمبدعين ومفسري النصوص في تحويل مجهوداتهم إلى ورش تطبيقية.
من المشاكل التي تجعل من النحو ألغازا، مدرس النحو نفسه، كثير ممن يقومون على تدريس هذه المادة لا يحملون هما، ولا رسالة، ولا انتماء حقيقيا، يتصرفون على أنهم موظفون في دوائر معينة، إن تدريس النحو يجب أن يكون من منطلق ممارسة مهمة حضارية، والمدرس يجب أن يكون مؤمنا بعظمة لغته وقدراتها الجبارة، وقابليتها للتطور والاكتساح الحضاري، حتى يتمكن من غرس هذه المحبة وذلك الشعور في نفوس الأجيال من الطلاب والمريدين.
* ألا ترى - بشكل عام- أننا ندور في حلقة مفرغة من التوصيات، ونطفو فوق بحر من الإنشائيات؟
فعلا، لقد بحت أصواتنا بالنداءات وبالتوصيات، ما من لقاء إلا ونسمع فيه عشرات التوصيات المدبجة بالأساليب البديعية، ولكن للأسف، لم نرق بعدُ إلى مستوى الفعل ... نسمع كثيرا عن مؤسسات وجمعيات حماية العربية، لكن دور هذه المؤسسات لا يساوي معشار محطة فضائية من الدرجة العاشرة في التأثير!
لكن الواقع مازال يفرز أشخاصا- ممن زرعت في قلوبهم محبة هذه اللغة الشريفة كم يقول الشافعي، الشجاعة كما يسميها ابن جني - يعملون بالليل والنهار من أجل أن تحيا هذه اللغة، والتغييرات الحاصلة في مجتمعاتنا تدفع في هذا الاتجاه وتساعد تلقائيا على إمداده بكل عناصر الحياة.
إن التخطيط اللغوي - الذي يعد من مباحث علم الاجتماع اللغوي - ما يزال متخلفا في بلداننا العربية، وقد استطاع الكيان الصهيوني أن ُيحييَ به لغة كانت في عداد الموات، في ظرف لا يتجاوز الستين عاما تحولت العبرية من لغة مهجورة في الأديرة والكنائس إلى لغة التعليم العالي في كل جامعاته!!!
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)