ثم أخبرته أنها لا تنام شوقا إليه، ولا تتهنأ بالطعام وجدا به، ولا تمل- إذا غاب- الدموع فيه، ولا ذكرته إلا تنغصت، ولا هتفت باسمه إلا ارتاعت، وأنها قد جمعت قنينة من دموعها من البكاء عليه، وتنشد عند موافاة اسمه بيت المجنون:
وأهوى من الاسماء ما وافق اسمها ... وأشبهه، أو كان منه مدانيا
وعند الدعاء به قوله:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري
وربما قادها التمويه الى التصحيح، وربما شاركت صاحبها في البلوى حتى تأتي الى بيته فتمكنه من القبلة فما فوقها، وتفرشه نفسها ان استحل ذلك منها، وربما جحدت الصناعة لترخص عليه، وأظهرت العلة والتاثت على الموالي، واستباعت من السادة، وادعت الحرية احتيالا لأن يملكها، وإشفاقا ان يجتاحه كثرة ثمنها، ولا سيما اذا صادفته حلو الشمائل، رشيق الإشارة، عذب اللفظ، دقيق الفهم، لطيف الحس، خفيف الروح. فإن كان يقول الشعر ويتمثل به أو يترنم كان أحظى له عندها.
وأكثر أمرها قلة المناصحة، واستعمال الغدر والحيلة في استعطاف ما يحويه المربوط والانتقال عنه. وربما اجتمع عندها من مربوطيها ثلاثة أو أربعة على أنهم يتحامون من الاجتماع، ويتغايرون عند الالتقاء، فتبكي لواحد بعين، وتضحك للآخر بالأخرى، وتغمز هذا بذاك، وتعطي واحدا سرها والآخر علانيتها، وتوهمه أنها له دون الآخر، وأن الذي تظهر خلاف ضميرها. وتكتب اليهم عند الانصراف كتبا على نسخة واحدة، تذكر لكل واحد منهم تبرمها بالباقين وحرصها على الخلوة