بينما العلم الحقيقي يقوم على الضرورة والطبيعة. ان هؤلاء لم يفهموا علم الكلام على حقيقته وقد بنوا حكمهم على الهوى لا على صحة العقل والعناية بالموضوع.
ومنهم اعداء علم الكلام اصحاب الفتيا والاحكام، لقد اجمع الحكام والرعية على تفضيل المفتي على المتكلم ومحضوه ثقتهم واغدقوا عليه المال، على الرغم من أن علم الكلام هو الاصل وعلم الفتيا فرع منه والاصل اشرف من الفرع. ثم ان آلة المتكلمين أتم وآدابهم اكمل ونظرهم اثقب وحفظهم أحضر.
وفي نهاية الرسالة يذكر الجاحظ معنى المتكلم، وإن كلمة متكلم تشمل الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة واهل المذاهب الشاذة، ولم يضع الجاحظ اهل السنة والجماعة في عداد الفرق الكلامية، وربما كان السبب إحجامهم عن الاشتغال بعلم الكلام في عصر الجاحظ. لقد كان الإمام أحمد بن حنبل معاصرا للجاحظ وزعيما لأهل السنة والجماعة وكان موقفه من علم الكلام موقف الرفض والتبديع. ولم يقبلوا على علم الكلام الا مع ابي الحسن الاشعري (- 935 م) الذي عاش بعد الجاحظ وكان في اوّل عهده معتزليا ثم انشق عنهم وانحاز الى اهل السنة والجماعة وتأثر خطاه من بعده أتباعه امثال الباقلاني (1013 م) والجويني (1086 م) والغزالي (1111 م) .
ان موقف أهل السنة والجماعة المعادي لعلم الكلام هو الذي حمل الجاحظ على الدفاع عنه وتبيان فضائله واهميته في رسالته هذه. ولتكون رسالته اشد أثرا اشار في مطلعها الى شخص جماعي سني يحبذ علم الكلام ويميل الى مذهب النظام احد شيوخ المعتزلة واستاذ الجاحظ نفسه ويلهج بفوائد هذا العلم وقيمته. ولم يسم الجاحظ هذا الشخص المتكلم الذي خالف أهل جماعته وتبنى موقفا يعتبر ثورة او انقلابا في داخل الجماعة، وليته فعل ذلك، اذا لدلنا على أقدم متكلم سني رائد سبق الاشعري، ولا زال الشك الذي قد يخالجنا بصحة وجوده.