فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 373

ولا يكاد الخصم يبلغ محبته منها إلا برفع الصوت وحركة اليد، ولا يكاد اجتماعهما يكون إلا في المحفل العظيم والاحتشاد من الخصوم، ولا تحتفل نفوسهما، ولا تجتمع قوتهما، ولا تجود القوة بمكنونها وتعطي أقصى ذخيرتها، التي استخزنت ليوم فقرها وحاجتها، إلا يوم جمع وساعة حفل. وهذه الحال داعية الى حب الغلبة.

وليس شيء ادعى إلى التغلب من حب الغلبة وطول رفع الصوت مع التغلب، وإفساد التغلب طباع المفسد، يوجبان فساد النية، ويمنعان من درك الحقيقة. ومتى خرجا من حد الاعتدال أخطئا جهة القصد.

[عداوة الناس]

وعلم الكلام بعد ملقى من الظلم، متاح له الهضم. فهو أبدا محمول عليه ومبخوس حظه وباب الظلم إليه مفتوح، لا مانع له دونه. والعلم بما فيه من الدرر يخفى على أكثر العقلاء، ويغمض على جمهور الادباء. وإذا كان ملقى من أكبر العقلاء، ومخذولا عند أكثر الأدباء، فما ظنك بمن كان عقله ضعيفا ونظره قصيرا؟ بل ما ظنك بالظلوم الغادر، والغمر الجاسر؟ فهذا سبيل العوام فيه، وجهل عوام الخواص به، وانحرافهم عنه، وميل الملوك عليه، وعداوة بعض لبعض فيه.

[ادعاء علم الكلام]

وصناعة الكلام كثيرة الدخلاء والادعياء، قليلة الخلص والأصفياء والنجابة فيها غريبة، والشروط التي تستحكم بها الصناعة بعيدة سحيقة، ولدعي القوم من العجز ما ليس لصحيحهم ولردي الطباع في صناعة الكلام من ادعاء المعرفة ما ليس للمطبوع عليهم منهم، بل لا تكاد تجده إلا مغمورا بالحشوة مقصودا بمخاتل السفلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت