بها المرء وانما ذهب ابعد من ذلك محاولا سبر اغوار النفس الانسانية التي اعتبرها منبع الاخلاق. وهو يقول انسجاما مع فلسفته العامة ان الاخلاق طباع، كما قال ان المعارف طباع. وذهب الى ان سلوك الانسان يرد الى طابعين هما الرغبة والرهبة وعنهما تصدر جميع الصفات كالايثار والعدل والاقتصاد والصداقة والشجاعة، التي يتكلم عنها بتوسع «1» .
واما الرسالة الثانية «في نفي التشبيه» فتتضمن تحريضا على المشبهة وذما لهم، وتصدر عن رغبة في الكسب والتزلف. ونرى الجاحظ كثير التذمر من العوام الذين اشتد اذاهم على المتكلمين والخاصة، وهؤلاء قالوا بالتشبيه فوقعوا في الاثم والفحش، وهم يتألفون من المقلدين والسفلة والطغام والذين ينطبق عليهم قول واصل ابن عطاء: «ما اجتمعوا الا ضروا ولا تفرقوا الا نفعوا» وقول علي بن ابي طالب «نعوذ بالله من قوم اذا اجتمعوا لم يملكوا «2» واذا تفرقوا لم يعرفوا» «3» .
وربما عنى بهؤلاء العوام الحشوية الذين حرموا الكلام واعتبروه بدعة حتى انهم اسقطوا شهادة المعتزلة واخافوا علماء الكلام. وبما ان التشبيه يخالف عقيدة المعتزلة الذين شددوا على التوحيد المنزه، لهذا يدعو الجاحظ القاضي الى الضرب على ايديهم قائلا: «و هذا المذهب ينتحل طريقنا ويسلك سبيلنا جور شديد ومذاهب قبيحة وتقرب فاحش.
وليس ينبغي لديان ان يواد من حاد اللّه ورسوله ولو كانوا آباءهم وابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم. فمتى اذن تزول التقية ويجب اظهار الحق
(1) رسالة المعاد والمعاش (ضمن رسائل الجاحظ، ج 1، ص 95) .
(2) لم يملكوا: لم يجمعوا على رئيس.
(3) رسالة في التشبيه (رسائل الجاحظ، ج 1، ص 283) .