حياته امتدت سحابة العصر العباسي الاول ومطلع العصر العباسي الثاني. هذه الحقبة من تاريخ العرب هي ازهى الحقب واخصبها عطاء، لانهم استطاعوا فيها ان يقطعوا اشواطا بعيدة في مضمار الرقي، وان يبنوا حضارة عريقة، وان ينجبوا نوابغ في العلوم والآداب والفلسفة.
تأسست الدولة العباسية على انقاض الدولة الاموية. واسهم الفرس اسهاما فعالا في بنائها، وصبغوها بصبغتهم المميزة من الوجهتين السياسية والاجتماعية. وقد ادرك الجاحظ هذه الحقيقة وعبر عنها بقوله:
«و قد يجب ان نذكر بعض ما انتهى إلينا من كلام خلفائنا من ولد العباس، ولو ان دولتهم عجمية خراسانية ودولة بني مروان عربية اعرابية، وفي اجناد شامية» «1» وارتقى سدة الخلافة اثر سقوط الامويين ابو العباس السفاح، ولكن خلافته لم تدم سوى اربع سنوات، اذ توفي عام 136 ه، فبويع أخوه ابو جعفر المنصور، فاسس بغداد وجعلها عاصمة الدولة سنة 145 ه، ثم بنى مدينة الرصافة لابنه المهدي على الجانب الآخر من النهر بعد وثوب الجند عليه، ليأمن شرهم. ويعتبر المنصور المؤسس الحقيقي للدولة العباسية، كان حازما، عاقلا، عالما، مقتصدا، حسن التدبير، راغبا عن اللهو، ماكرا، يقظا، انقض على مناوئيه، فاخمد ثورة الراوندية الذين الهوه، وتخلص من محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن ابي طالب الملقب بالنفس الزكية، وكان هذا قد اعتصم بالمدينة واعلن نفسه خليفة. وكذلك قضى على عمه عبد اللّه بن علي الذي طمح الى الخلافة ودعا الى مبايعته بالشام، فوجه المنصور إليه أبا مسلم الخراساني فحاربه حتى هزمه. واخيرا جاء دور ابي مسلم ذاته، وكان المنصور يخاف من سطوته ونفوذه. ويروي الجاحظ حكاية المكيدة التي
(1) البيان والتبيين، ج 4، ص 64.