فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 373

يسميه من أجل المرحمة والمحبة والتأديب- أبا، جاز أن يسميه آخر من جهة التعظيم والتفضيل والتسويد أخا، ولجاز أن يجد له صاحبا وصديقا، وهذا ما لا يجوزه إلا من لا يعرف عظمة اللّه، وصغر قدر الإنسان.

وليس بحكيم من ابتذل نفسه في توقير عبده، ووضع من قدره في التوفر على غيره. وليس من الحكمة أن تحسن إلى عبدك بأن تسي ء إلى نفسك، وتأتي من الفضل ما لا يجب بتضييع ما يجب. وكثير الحمد لا يقوم بقليل الذم، ولم يحمد اللّه ولم يعرف إلهيته من جوز عليه صفات البشر، ومناسبة الخلق، ومقاربة العباد.

وبعد، فلا يخلو المولى من رفع عبده وإكرامه من أحد أمرين:

إما أن يكون لا يقدر على كرامته إلا بهوان نفسه، ويكون على ذلك قادرا، مع وفارة العظمة، وتمام البهاء.

وإن كان لا يقدر على رفع قدر غيره إلا بأن ينقص من قدر نفسه فهذا هو العجز، وضيق الذرع.

وإن كان على ذلك قادرا فآثر ابتذال نفسه والحط من شرفه فهذا هو الجهل الذي لا يحتمل.

والوجهان عن اللّه جل جلاله منفيان.

ووجه آخر يعرفون به صحة قولي، وصواب مذهبي، وذلك أن اللّه تبارك وتعالى لو علم أنه قد كان فيما أنزل من كتبه على بني إسرائيل: إن أباكم كان بكري وابني، وإنكم أبناء بكري- لما كان تغضب عليهم إذ قالوا: نحن أبناء اللّه، فكيف لا يكون ابن ابن اللّه ابنه، وهذا من تمام الإكرام، وكمال المحبة، ولا سيما إن كان قال في التوراة: بنو إسرائيل أبناء بكري.

وأنت تعلم أن العرب حين زعمت أن الملائكة بنات اللّه كيف استعظم اللّه تعالى ذلك وأكبره، وغضب على أهله، وإن كان يعلم أن العرب لم تجعل الملائكة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت