فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 373

أحمل للمشقة.

وعلى قدر المشقة تكون المثوبة، وتعظم عند اللّه المنزلة، وتقع له في قلوب الناس المحبة. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لسعد ابن أبي وقاص، حين وجهه الى العراق: «يا سعد بني وهيب، إن اللّه إذا أحب عبدا حببه الى خلقه. فاعتبر منزلتك من اللّه بمنزلتك من الناس، واعلم أن ما لك عند اللّه مثل ما للّه عندك. ونحن نعتبر حالك عند اللّه بالذي نجد لك في قلوب عباده. وقد ملك اللّه بعض الناس أبدان بعض، ولم يملك القلوب أحدا غيره» .

وأما قولهم: إن الغرارة مقرونة بالحداثة، والحنكة موصولة بطول التجربة، فإن الذهن الحديد والطبع الصحيح، والإرادة الوافرة، ينال في الأيام اليسيرة، ويدرك في الدهور القصيرة، ما لا تدركه العقول المخدوجة، ولا الطبائع المدخولة، والإرادة الناقصة، في الأيام الكثيرة، والدهور الطويلة.

وربما صادف القائل مع ذكائه وكثرة قراءته وجودة اعتباره، زمانا أكثر عجبا، وأكثر معتبرا، وإن كانت شهوره أقل، وأيامه أقصر، فينال مع قلة الأيام ما لا ينال سواه مع كثرتها، ولا سيما إذا أعين بحفظ، وأحسن من نفسه بفضل بيان.

وليس من نظر في العلم على الرغبة والشهوة له كمن نظر فيه على المكسبة به والهرب إليه، لأن النفس لا تسمح بكل قواها إلا مع النشاط والشهوة، وهي في ذلك لنفسها مستكرهة ولها مكابدة. والسآمة إلى من كانت هذه صفته أقرب، وله ألزم. ولو لا ذلك لما ولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم معاذ بن جبل اليمن، وجعل إليه قبض الصدقات، ومحاسبة العمال، وقلده الأحكام وتعليم الناس الإسلام، وهو ابن ثماني عشرة سنة. ولا يدفع ذلك صاحب خبر ولا حامل أثر.

وعلى مثل ذلك عقد لأسامة بن زيد الإمرة، وأبانه بالتقدمة على أجلة الأنصار وكبار المهاجرين، وخيار السلف المتقدمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت