فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 373

يرم ذلك أحد ولا تكلفه ولا أتى ببعضه ولا شبيه منه ولا ادعى أنه قد فعل، فيكون ذلك الخبر باطلا، وليس قول جمعهم أنه كان كاذبا معارضة لهذا الخبر إلا أن يسموا الانكار معارضة، وإنما المعارضة مثل الموازنة والمكايلة، فمتى قابلونا بأخبار في وزن أخبارنا ومخرجها ومجيئها فقد عارضونا ووازنونا وكايلونا وقد تكافينا وتدافعنا. فأما الانكار فليس بحجة كما أن الاقرار ليس بحجة، ولا تصديقنا النبي صلّى اللّه عليه وسلم حجة على غيرنا ولا تكذيب غيرنا له حجة علينا، وإنما الحجة في المجي ء الذي لا يمكن في الباطل مثله.

فان قلت: وأي مجي ء أثبت [من] خبر النصارى عن عيسى بن مريم عليه السلام! وذلك أنك لو سألت النصارى مجتمعين ومتفرقين لخبروك عن أسلافهم أن عيسى قد قال إني إله؟

قلنا: قد علمنا أن نصارى عصرنا لم يكذبوا على القرن الذي كان قبلهم والذين كانوا يلونهم، ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه أن عيسى عليه السلام لو قال إني إله لما أعطاه اللّه تعالى إحياء الموتى والمشي على الماء! على أن في عيسى عليه السلام دلالة في نفسه أنه ليس بإله وأنه عبد مدبر ومقهور ميسر. وليس خبرهم هذا إلا كإخبار النصارى عن آبائهم والقرن الذي يليهم أن بولس قد كان جاء بالآيات والعلامات. وكإخبار المانوية عن القرن الذي كان يليهم من أن ماني قد كان جاءهم بالآيات والعلامات، وكإخبارهم المجوس عن آبائهم والذين كانوا يلونهم أن زرادشت قد جاءهم بالآيات والعلامات. وقد علمنا أن هؤلاء النصارى لم يكذبوا على القرن الذي كان يليهم ولا الزنادقة ولا المجوس، ولكن الدليل على أصل خبرهم ليس كفرعه. لأن اللّه تعالى جل وعز لا يعطي العلامات من لا يعرفه. لأن بولس إن كان عنده أن عيسى عليه السلام إله فهو لا يعرف اللّه تعالى بل لا يعرف الربوبية من العبودية والبشرية من الإلهية.

فصل منه: وللنصارى خاصة رياء عجيب وظاهر زهد، والناس أبطأ شيء عن التصفح وأسرع شيء إلى تقليد صاحب السن والسمت، وظاهر العمل ادعى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت