وليس من الغريب بعد هذا - ورغم المتغيرات الكثيرة التي حدثت في هذا الميدان - أن أكثر القضايا المرتبطة بالوضع الحالي للتعليم الإسلامي في مستوى الكليات له علاقة بواحدة أو أكثر من العوامل المذكورة. و سيحتاج الأمر إلى بعض الوقت - على ما أعتقد - ليحرر هذا المجال من الدراسة نفسه من هذه الخلفية التاريخية و ليتمكن من الاحتفاظ بالاكتشافات الحقيقية و بالنظريات العلمية الرصينة في تراث الاستشراق و يتخلص من التشويه الفكري.
المشكلات المتعلقة بالمعلمين و مناهج التعليم:
من أكبر المشكلات أهميةً و التي تنطبق على جميع الأديان غير الغربية، أنها تُدرَّسُ على الأغلب في الصفوف التمهيدية، و يقوم على تدريسها مختصون في عقائد أخرى و أحياناً مختصون في تخصصٍ مختلف كلياً. وفيما يتعلق بالإسلام بالذات فإنه غالباً ما يُكلَّفُ بتدريسه أي إنسانٍ له خبرة بمجالٍ ما ذو علاقة بهذا الحقل من الدراسة مهما تكن تلك العلاقة بعيدة. و المشكلة تظهر عندما يُعيّنُ لتدريس الدراسات الإسلامية إنسانٌ غير متخصص في العقيدة، لأن الإسلام يغطي مساحة واسعة من التاريخ إلى الدين، ولا يُعقل أن يستطيع مثل ذلك الشخص أن يؤدي دوره بأمانة وهو بعيد عن فهم العامل الأساسي في ما يقوم بتدريسه وهو العقيدة.
فهؤلاء، سواء منهم المتخصص في التاريخ أو الاجتماع أو حتى في الأدب العربي، يصبحون خبراء في الإسلام (و لا يُقال خبراء في التاريخ الإسلامي أو الاجتماع الإسلامي..) ، و ليس غريباً أن نجد علماء اجتماع يُدرِّسون الإسلام في أقسام الدين، في الوقت الذي لا يُقبل فيه على الإطلاق ادعاء متخصص في تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى على أنه خبيرٌ في النصرانية. و في نفس الوقت يمثل مصطلح (مختص بالإسلاميات) مشكلةً، إذ أن هذا المصطلح يغطي بدون تمييز مجالا من العلم ينتسب إلى حضارةٍ تمتد زمانياً عبر خمسة عشر قرناً و مكانياً عبر ربع مساحة العالم. و على النقيض ليس هناك (مختصٌ بالنصرانيات) من بين الاختصاصات العلمية التي تنتسب إلى النصرانية التي تمتدُّ زمانياً عشرين قرنا و تغطي مكانياً ربع مساحة العالم.
و كما يبدو فإن هناك موقفاً متعجرفاً يكمن وراء هذه الطريقة المسيئة في تمثيل الإسلام، كما يبين المثال التالي (علماً بأنني سأُعرضُ عن ذكر الأسماء لأن الغرض هو عرض القضايا في مجال الدراسات السياسية) . فقد أخبرني مرةً عميد قسم الأديان في جامعةٍ مرموقة عن نيته تعيين مُدَرِّسٍ لتدريس دورةٍ تمهيدية عن الإسلام، وعندما أشرتُ إلى أن ذلك الشخص المعني هو متخصصٌ في التاريخ، هزَّ العميد كتفيه بلا مبالاة و قال إن والد هذا الشخص قسيس و هذا يكفي لضمان أن يمتلك هذا الرجل فهماً كافيا للبعد الديني للإسلام!! و لنا أن نتصور أن يُطبَّقَ هذا المثال على النصرانية، و نتصور أن يُعينَ مسلمٌ متخصصٌ في التاريخ الأوروبي مُعلِّماً للدين النصراني فقط لأن أباه كان فقيهاً شرعيا.
إن أحد المشكلات الرئيسية يكمن في حشد جميع أنواع الدراسات و الاختصاصات تحت اسم (الدراسات الإسلامية) . و لا تنحصرُ إشكالية تعليم (الدراسات الإسلامية) بشكلها الراهن في غياب التحديد الدقيق فقط، وإنما في رداءة النوعية العلمية التي يُنتجها مثل ذلك التعليم. و لذا فإن هذا يستدعي أن يُطبّقَ في تصنيف الفروع الموجودة تحت هذا العنوان الكبير (الدراسات الإسلامية) المنهج المُتّبعُ في كل حقول المعرفة الأخرى. و من الطبيعي أن يؤثر غياب التحديد على تدريب الأساتذة"المختصين"و"علماء"المستقبل، الذين يحصلون على شهاداتهم من جامعاتٍ تعاني من كل المشكلات التي عرضناها، والأدهى من ذلك أنه ليس هناك أي مؤهلات محددة تُطلب من الجامعات لتغيير هذا الوضع.
و من الظواهر العجيبة أن ترى أن أغلب"الخبراء"بالإسلام في أمريكا لا يمتلكون إلا معرفةً ضئيلة بالعربية أو ليس عندهم أي خبرة بها. و إذا حدث أن كان عندهم بعض المعرفة بالعربية فليست هي المعرفة اللازمة للتمكن من الأدب العريق القديم أو المعاصر و الذي يُهملُ ببساطة لأنه ليس أدباً غربياً. و مرةً ثانية، للقارىء أن يتصور إمكانية وصف إنسانٍ بأنه خبيرٌ بالفكر اليوناني دون أن يكون عنده أي معرفة باللغة اليونانية. ولكن هذا بالضبط هو ما يحدث في مجالات الدراسات الإسلامية، ليس في المستويات التمهيدية فحسب بل على مستويات مراكز الصدارة في هذا المجال.
المشكلات المتعلقة بالكتب:
تحدث المشكلة الرئيسية في الكتب الدراسية عندما تُكتبُ هذه الكتب لدراساتٍ دينية و تُستعمل من قبل خبراء في مجال آخر غير مجال الدراسات الدينية، كطلاب التاريخ و علوم السياسة الذين ينقلبون بلحظةٍ واحدة إلى"خبراء"غبر التأثير السحري لكلمة (خبير إسلاميات) . فالمشكلة تكمن في كتبٍ دونها علماء تمرسوا في الدراسات الدينية و لكنهم يفتقدون التمرس في العقيدة الإسلامية و يعتمدون على مصادر غير أصلية نظراً لجهلهم التام باللغة. و تغيب العقيدة تماماً أو تُذكر باختصار في ثنايا عرض بعض المناظرات الدينية في مدارس اللاهوت في القرون الوسطى.