إننا والحمد لله نجلّ القرآن وننزهه على أن يكون فيه دليل الكفر لكن النصارى يتجرأون على الزعم بتأييد آيات القرآن الكريم لعقيدتهم الباطلة في تأليه المسيح. والحق أننا كمسلمين لا تضرنا مثل هذه التمويهات والافتراءات ولكن ذلك لا يمنعنا من الرد عليهم ودحض افتراءاتهم على القرآن الكريم.
يزعم النصارى أنهم يستنبطون من القرآن الكريم ما يدلهم على ألوهية عيسى عليه السلام وذلك مثل قوله تعالى في سورة النساء آية 171 (... إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم روح منه) نفس الآية الأنفة الذكر والآية 91 سورة الأنبياء (فنفخنا فيه من روحنا) يأخذ النصارى أجزاءً من الآية بما يوافق ميولهم. ويقولون أن هذه خاصية امتاز بها المسيح دون غيره من الأنبياء ولا معنى لكونه روحا من الله غير أنه الأقنوم الثاني (أي الإله الثاني) من الثالوث وأنه مرسل من قبل أبيه وأنه مثله لأن كلمة (منه) تقتضي البعضية (أي أنه جزء من الله) فالمسيح من الله وهو روح منه إذن هو إله هذا هو تفسيرهم بأخذهم الجزء الذي يتوافق معهم.
ونرد على استدلالهم هذا بعدة أوجه:
*الوجه الأول: بالنسبة لتخصيص المسيح في القرآن الكريم بلفظ (وروح منه) في سورة النساء كان للرد على اليهود الذين زعموا إن عيسى ليس نبيا ووصفوه بأشنع الألفاظ وقالوا إن به روحا نجسة شيطانية واتهموه أيضا بأنه ابن زنا (والعياذ بالله من قولهم) جاء ذلك في انجيل مرقس 3/22-30 (وأما الكتب الذين نزلوا من أورشليم فقالوا: إنه مع بعلزبول وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين) في انجيل يوحنا 7/20 (أجاب الجمع وقالوا: بك شيطان) وفيه أيضا 10/20 (فقال كثير منهم به شيطان وهو يهزيء لماذا تستمعون إليه) وفقرات كثيرة في كتب الأناجيل.
وبهذا نرى أن أعداء المسيح ورؤساء اليهود من (الكتبة والفرسين) وغيرهم الكثير من اليهود اتهموه أن به روحا شيطانية وشاع ذلك بينهم حتى عصر نبينا صلى الله عليه وسلم فنطق القرءان الكريم مصرحا بأنه روح من الله نافيا عنه ما رماه به أعداؤه.
الوجه الثاني:
ورد في الأسفار حلول لفظ (روح الله) على غير المسيح ففي سفر اشعياء 61/1 (روح السيد عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين) وفي سفر حزقيال 36/27 (واجعل روحي في داخلكم) وفي سفر أخبار اليوم الثاني 24/20 (ولبس روح الله زكريا) وفي الرسالة إلى أهل رومية 8/9 (إن كان روح الله ساكنا فيكم) .
هذه الفقرات وغيرها الكثير تبين أن روح الله حلت على كثير من الأنبياء وعلى أهل (رومية) جميعا ولم يلزم من حلولها البعضية (أي أنهم جزء من الله) فالروح هنا ليست جزءا من الله تعالى وإلا لزم أن يكون أهل (رومية) والأنبياء المذكورين آلهة ولم يقل بذلك أحد.
فالاستدلال بمثل هذه الألفاظ على الاتحاد والحلول الحقيقي مردود ولا شك أن النصارى يوافقوننا في عدم ألوهية جميع الذين حل عليهم روح الرب. وأن الحلول هنا ليس حلولا حقيقيا في أولئك المطلق عليهم ويوافقوننا كذلك على وجوب التأويل. فما الذي يجوز لهم القول بالحلول الحقيقي في المسيح؟! إن كان هو الأخذ بظاهر النصوص فيجب تأويلها في حقه كما أولوها في حق غيره وإن كان عندهم دليل يخصصه دون غيره فليظهروه وإلا فإن المساواة بينه وبين غيره في عدم الألوهية واجبة.
الوجه الثالث:
إن إضافة الروح للمولى عز وجل هي إضافة للتشريف وقد ورد مثلها في القرءان الكريم. ففي سورة الحجر آية 29 وسورة ص آية 72 يقول الله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وفي سورة الشمس آية 13 (ناقة الله وسقياها) وفي سورة الحج آية 26 (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) .
فالإضافة في هذه الآيات جميعها هي إضافة تشريف، أي لبيان أن الله يحب هذه الأشياء المضافة ويرضاها أو يصطفيها ويقربها. فهي إضافة أعيان لا إضافة صفات وذلك يدل على أنها مخلوقة ومملوكة لله تعالى لكنها مختصة بصفات ميزتها من غيرها حتى استحقت الإضافة وقوله تعالى عن عيسى (وروح منه) هو من قبيل الإضافة التشريفية وإن كانت جميع الأرواح من خلقه ولا يفهم من ذلك (التبعيض) أي انه جزء من الله وهي مثل قوله تعالى في سورة الجاثية آية 13 (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) فليست (من) هنا (للتبعيض) لكنها لابتداء الغاية والمعنى من خلقه ومن عنده.
وردت مثل هذه الإضافة في أناجيل العهد الجديد ففي رسالة يوحنا الأولى 4/1و4و6 (1- امتحنوا الأرواح هل هي من الله... 4-أنتم من الله أيها الأولاد... 6- نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا من ليس من الله لا يسمع لنا من هذا نعرف روح الحق من روح الضلال) .