فهرس الكتاب

الصفحة 8601 من 27364

والذين يتمسكون بنظام البيعة في الإسلام يحصرون أنفسهم في مصطلح معين، وينسون -على الوجه الآخر- الظروف التي كانت قائمة في عصر الخلافة حيث كانت البيعة تمارس من قبل بضعة آلاف مواطن. ونظرًا لأعداد المسلمين الضخمة التي نراها اليوم، فإن قول"نعم"أو"لا"-سواء من خلال الوسيلة الورقية أو عبر الإنترنت- سيخدم -بلا شك- نظام البيعة… الأمر باختصار، أنه إذا ألقينا نظرة إلى الخطوات الديمقراطية فسنجدها لا تتعارض مع الإسلام.

الغرب أخذ نظرياته من الإسلام

لقد قمت بعمل دراسة واسعة على مفهوم السيادة (sove r eignty) في الإسلام من ناحية، وفي النظرية السياسية الغربية من الناحية الأخرى. وكانت نتيجة هذه الدراسة أنني اكتشفت أن الكثير من مبادئ السيادة التي يتبناها الغرب لا تعارض الإسلام، بل على العكس تنبع مباشرة من الإسلام.

فأوائل الباحثين النظريين في أوروبا احتكوا احتكاكًا مباشرًا مع مفهوم السيادة في الإسلام. فجون بودين Jean Bodin وجان جاك روسو Jean Jaques r ousseau من أشهر الباحثين الذين نظروا نظرية السيادة الحديثة؛ وقد استعانوا في ذلك بمفاهيم السيادة المطلقة والسيادة الشعبية التي يتبناها الإسلام. وقد قام روسو بعمل دراسة مكثفة عن فترة حكم الرسول (عليه الصلاة والسلام) في المدينة؛ لينهل ويستقي منها الأفكار المتعلقة بمفهوم السيادة؛ ولذا نجد أن الإسلام قد ألقى بظلاله -بدون شك- على النظرية الديمقراطية.

الديمقراطية الأمريكية وديمقراطية المودودي

إذا ما ألقينا النظر إلى الديمقراطية الأمريكية، فسنجد أن نموذج تلك الديمقراطية يشبه إلى حد كبير الديمقراطية الدينية التي يتبناها المودودي كما أشرنا من قبل. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، توجد الشورى التمثيلية (الكونجرس) التي تستقي قوانينها من الدستور الأمريكي. وتسعى هذه الشورى التمثيلية إلى تشريع القوانين التي لا تعارض -على الأقل- الدستور الأمريكي. وبينما نجد المشرعين المسلمين -في ظل الديمقراطية المسلمة- يسعون إلى حماية القرآن والسنة وتطبيق ما فيهما من تشريعات وأحكام، نجد المشرعين الأمريكيين يسعون إلى حفظ دستورهم وتطبيق ما فيه من بنود وقوانين.

والناقدون للديمقراطية الأمريكية دائمًا ما يلصقونها بالكفر أو بأكثر من ذلك؛ وهم للأسف يطلقون أحكامهم دون تحليل مسبق. وإذا قاموا بتحليل أو بآخر، فإنه يخرج هشًّا ضعيفًا؛ ولذا فقد يستلزم علينا تركيز مناقشاتنا المستقبلية -بطريقة مباشرة- على محتوى الدستور الأمريكي، ومن ثَم التعرف على بنوده، وإدراك ما إذا كانت هذه البنود متوافقة مع المبادئ الإسلامية أم غير متوافقة معها. فإن إدانة الدستور الأمريكي على الدوام يمكن أن تلحق الضرر الشديد بالأمريكيين المسلمين.

نحن في حاجة إلى مرونة

يا ترى، ماذا سيكون رد فعلنا إذا قام بعض الناس غير المسلمين بقراءة كتاب عن الإسلام ثم انصرفوا عنه ورفضوه رفضًا قاطعًا؟ ألن نسارع باتهامهم بالسطحية؟ ألن نصفهم بالتحيز وعدم التعقل في رفضهم للإسلام؟ إذًا، فلنعطى غيرنا نفس مقدار الفضول وحب الاستطلاع الذي نريده. ولنعطى أنفسنا الفرصة لكي ندرس -على الأقل- موقف الآخر برقة ولطف وحذق ومهارة من قبل أن نصدر الأحكام. فالأحكام السريعة غير المبنية على معلومات دقيقة ليست إلا مؤشرًا عن الجهل وعدم التسامح.

وهذا -بدون أدنى شك- سيباعد بين الناس والمسلمين والإسلام… إني أريد أن أوجه هنا سؤالاً للقراء: ما الذي ترونه ضد الإسلام أو ضد الله في مثل هذا الدستور؟ وما هو الشيء غير الإسلامي أو غير الإلهي في هذا الدستور؟

الدستور الأمريكي لا يناقض الإسلام

إن من ضمن نصوص الدستور الأمريكي ما يلي:"نحن شعب الولايات المتحدة الأمريكية -من أجل تشكيل اتحاد أكثر قوة وصلابة- نقيم العدل، نحافظ على الهدوء المحلي، نقوم على توفير الدفاع العام، نُرقي من الخدمات الاجتماعية، ونحمي حرياتنا وممتلكاتنا: [من أجل كل ذلك] نقيم ذلك الدستور للولايات المتحدة الأمريكية".

إني أود أن أعرف ما الذي يمكن أن ترفضه أي دولة إسلامية من هذا الدستور؟ وما الذي يمكن أن ترغب عنه وترفض إعطاءه لشعبها؟ هل الإسلام يسعى إلى حرمان المسلمين مما ينص عليه الدستور الأمريكي من العدل، والاستقرار، والخدمات الخيرية، والحرية والترف؟ (بالطبع لا) .

هذا الدستور -طبعًا- لا يُعَرِّف نفسه على كونه إسلاميًّا. (وكيف له أن يفعل ذلك؟) إنما مفهوم ذلك الدستور يتعرض للإسلام، وإن لم يتعرض للمسلمين. فهو خالٍ من المسلمين ولكنه ليس خاليًا من الإسلام. إنه يحتوي على الكثير من القيم الإسلامية؛ أما ما هو غير إسلامي فسأتركه لمن يريد أن ينقده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت