فهرس الكتاب

الصفحة 8524 من 27364

أضحت المؤسسات الإسلامية الأمريكية طرفًا فاعلاً في هذا الجدال الفكري والسياسي وما ارتبط به من أنشطة كثيفة ومتنوعة. وعلى رأس هذه المؤسسات تأتي"كير" (مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية) ، ولقد قادت هذه المؤسسة منفردة أو بالتنسيق مع نظائر لها حملات طمأنة مسلمي الولايات المتحدة، وتوعيتهم بحقوقهم المدنية والدفاع عنها، كذلك حملات لمواجهة الشبهات ضد الإسلام، وتوعية المجتمع الأمريكي بحقائق الإسلام، ودعوة العرب والمسلمين للرد على مقالات الرأي والمواقف المعلنة التي تحمل روح التعصب وعدم التسامح تجاه الإسلام والمسلمين بصفة عامة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة، وكذلك تنشيط مسلمي أمريكا ودعوتهم للمشاركة المدنية والسياسية الفاعلة لحماية حقوقهم ودعمها.

ولقد أصدرت كير بمناسبة ذكرى مرور عام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر تقريرًا وافيًا عن أحوال مسلمي الولايات المتحدة خلال العام، راصدة فيه ما تعرض له المسلمون من انتهاكات للحريات المدنية، وما بذلته كير والمؤسسات الإسلامية الأخرى من جهود لإدارة الصراع الحضاري الموجه ضد الإسلام من جانب بعض قوى اليمين الديني والسياسي المتطرف في المجتمع الأمريكي والإدارة الأمريكية الراهنة. كما أعلنت عن حملة شاملة تدعو فيها المسلمين للمشاركة في جهود تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة. وذلك كاستجابة شاملة لاتجاهات الرأي العام الأمريكي الساعية نحو التعرف على الإسلام، ولمواجهة حملة التشويه لصورة العرب والمسلمين. حيث لم يقتصر الأمر بعد 11 سبتمبر على إجراءات أمنية جديدة تُعَدّ -بمقاييس النموذج الأمريكي السائدة داخليًّا- انتهاكًا للحريات المدنية، ولكن اقترن وبصورة واضحة بالحملة على الإسلام والمسلمين. وهي حملة لها سوابق عديدة، إلا أن الحملة الراهنة غير مسبوقة من حيث عمقها ونطاقها، ومن حيث امتدادها إلى الإعلام الغربي بكل روافده، وعدم اقتصارها على دوائر النخب الفكرية والاستشراقية فقط.

بعبارة أخرى، إشكالية العلاقة بين الأمن والحرية في الداخل الأمريكي بعد 11 سبتمبر -التي يقع في قلبها مستقبل وضع العرب والمسلمين في النسيج الاجتماعي والسياسي الأمريكي- لم تكن ذات أبعاد قانونية سياسية فقط، ولكن ذات أبعاد ثقافية حضارية واضحة الدلالة طوال العام المنصرم. وهذه هي الصورة الجديدة التي تأخذها الأزمة الراهنة التي تمر بها هذه العلاقة، بعد أن سبقتها أزمات أخرى -كما في الخمسينيات (الماكارثية) - كان مبعثها صراعات أيديولوجية.

ولذا لا عجب أن نلحظ الآن في الدوائر الأكاديمية بروزًا متجددًا للاهتمام بالعلاقة بين الدين والمجتمع والسياسة بصفة عامة، وفي الولايات المتحدة بصفة خاصة. حقيقة -منذ ما يزيد على العقد من الزمان- نلحظ تجدد الاهتمام بالعلاقة بين الدين ودراسة الظاهرة الاجتماعية في الدوائر الغربية الأكاديمية والفكرية، ولكن تحققت القفزة مع أحداث 11 سبتمبر.

الخلاصة

إن قضية العلاقة بين الأمن والحرية أو بين المصالح والقيم في السياسة الأمريكية ستظل علاقة مطاطة، حيث تلبس السياسة الخارجية الأمريكية دائمًا قناع نموذج القوة وليس قناع قوة النموذج، في حين أن توازنات القوى الداخلية في المجتمع المدني الأمريكي ما زالت قادرة على الحفاظ على قوة النموذج وعافيته في الداخل الأمريكي.

فهل يمكن أن تستمر هذه الازدواجية أم إن عواقب 11 سبتمبر ستطيح تدريجيًّا بنموذج الحريات المدنية تحت مبررات مقتضيات الأمن ومكافحة الإرهاب؟ وبذا تتأكد مخاوف البعض أن ما يحدث الآن في مواجهة المسلمين في أمريكا ليس طارئًا أو ظرفيًّا، ولكن علامة على تحول نوعي سينمو تدريجيًّا ويؤثر على مستقبل الوجود المسلم هناك؟ أم إن قوى المجتمع المدني الأمريكي ستقدر على الموازنة بين اتجاهاتها ومواجهة الإدارة، بحيث تتغلب قيم الحرية والتنوع والتعدد على قيم الأمن والاحتواء؟ وفي هذه الحالة هل سيمتد تأثير هذه التوازنات الداخلية إلى التأثير على توجهات السياسات الأمريكية وبنحو يساعد على تغييرها ليساهم هذا التغير بدور في تجفيف منابع الإرهاب؟ فتلك الأخيرة لا تكمن فقط في أوضاع وظروف الدول العربية والإسلامية -كما تعتقد الإدارة الأمريكية الراهنة- ولكنها تكمن أيضًا في السياسات الخارجية الأمريكية المتراكمة.

وسيظل السؤال التالي مطروحًا: هل التضحية بالحريات المدنية في الولايات المتحدة وهل استمرار التضحية بها في الدول العربية والإسلامية سيحمي مما يسمى"الإرهاب"؟ إن العدالة والحرية هما التربة الصالحة لإنبات بذور الأمن والطمأنينة في ربوع العالم. ولكن ستظل لغة القوة والمصالح والتوازنات وتوجهات الصراع الحضاري والثقافي، هي العائق أمام نمو هذه البذور لتطرح ثمارًا وفيرة، ليس في داخل الولايات المتحدة فقط، ولكن في دولنا العربية والإسلامية أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت