ويمكنني التوقف عند بعض النماذج التي تناقش بوضوح العلاقة بين الأمن والحرية:
1 -أنقل من كتاب جون إسبوستيو"حرب غير مقدسة: الإرهاب باسم الإسلام"الذي صدر في أبريل 2002م، ما يلي:"كيف يمكن الاستمرار في الحرب ضد الإرهاب دون أن ندفع بصراع شامل بين الثقافات؟ وهذه الحرب لا يمكن استخدامها لتبرير انهيار قيم مهمة في الداخل أو تصبح ضوءاً أخضر للنظم التسلطية في العالم الإسلامي لتقهر قوى المعارضة السلمية أيضًا. إن اتجاه العداء لأمريكا ليس مصدره عداء دينيًّا، ولكن الغضب والإحباط من سياسة الولايات المتحدة".
2 -أسجل ما شاهدته في مساء 15 أغسطس على القناة الأمريكية الإخبارية"سبان-2"من وقائع مؤتمر صحفي تم عقده في نادي الصحافة القومية، ونظمه"ائتلاف قوس قزح"الذي يرأسه القس جي جاكسون الديمقراطي. وهو المؤتمر الذي اشترك فيه ممثلون عن اتحاد المرأة، واتحاد المدرسين، واتحاد العمال، واتحاد الأمريكيين من أصل لاتيني، وكذلك جيمس زغبي ممثلاً للجالية العربية الأمريكية. وقد كان المؤتمر بمثابة وقفة صارمة وحاسمة من جانب المتخوفين من عواقب انتهاك الحريات المدنية الأمريكية، في مواجهة المدافعين باسم الأمن عن الإجراءات الأمنية الجديدة من داخل الإدارة الأمريكية الجمهورية المحافظة.
3 -من بين فيض من مقالات الرأي والتعليقات في صحف مختلفة، يمكنني التوقف عند مقال جوناثان تيرلي -أستاذ القانون الدستوري في جامعة جورج واشنطن- بعنوان:"معسكرات للمواطنين: رؤية أشكروفت المميتة: المدعي العام يظهر نفسه كتهديد للحرية"، وتم نشره في موقع لوس أنجلوس تايمز (14-8-2002م) www.latimes.com ، ويرى المؤلف أن اقتراح أشكروفت بإنشاء معسكرات للمواطنين الأمريكيين"المتوافقين مع العدو"يجرد المواطنين من حقوقهم الدستورية، وأن الأمر يجب أن تتم مناقشته في جلسات استماع في الكونجرس من أجل إعادة النظر في صلاحية أشكروفت لتولي هذا المنصب المهم. فإذا كان تنظيم القاعدة -كما يقول المؤلف- يهدِّد حياة مواطنينا، فإن أشكروفت أضحى تهديدًا واضحًا وحالاً لحرياتنا.
وبعد أن استعرض المؤلف وقائع ونطاق اقتراح أشكروفت مبينًا خطورته -أيًّا كانت مبرراته الخاصة لمواجهة المؤامرات الإرهابية- فهو يقول:"إنه (أشكروفت) يحلم ببلد آمن من نفسه، ولكنْ مسيطر عليه ومحتوى بشدة من خلال أحكام أشكروفت حول معنى الإخلاص. ولمدة أكثر من 200 عام كانت الحرية والأمن يعتبران قيمًا متعايشة. أما أشكروفت ومعاونوه فيرون أن الأمن يجب أن يسبق الحرية، إن أشكروفت يشجِّع المواطنين على قبول حكم أتوقراطي باعتباره الوسيلة الوحيدة لتجنب هجمات إرهابية شاملة، وإن مشكلته الكبرى هي الحفاظ على مستوى من الخوف والفزع قد يدفع بالشعب الحرّ إلى أن يتخلى عن حقوقه الغالية التي حققها له أسلافه.. يأتي في كل جيل أمثال أشكروفت الذين يرون أن القوانين هي عائق وليست حاميًا في أوقات الخطر. وقبل أن نسمح لأشكروفت أن يدمر خريطتنا الدستورية يجب أن نتخذ موقفًا، ويكون لدينا الشجاعة لنقول: كفى"!.
4 -بعض الجمعيات الأمريكية المدنية ركَّزت من جهتها على منحى آخر وبنهج مختلف لمناقشة قضية الأمن وعلاقتها بالحرية. فلم تتخذ منحى الدفاع عن الحريات المدنية في مواجهة تعدي بعض السلطات، ولكن اتجهت للهجوم بشدة على قصور إجراءات أمن حماية الوطن والمواطنين وفشلها في مواجهة هجمات 11 سبتمبر قبل وقوعها، وكذلك اتجهت للهجوم على السرية التي تحيط بالتحقيق في مجريات ما حدث هذا اليوم وقبله، وأخيرًا على ما سُمِّي"الوطنية العمياء"التي قفزت بعد هذا اليوم، والتي ترى أن كل من يهاجم سياسة بوش وإدارته هم معادون لأمريكا.
إذن، وعلى ضوء كل ما سبق، يرى هذا الاتجاه أن إدارة الحرب ضد الإرهاب وعلى النحو القائم من جانب بوش إنما تمزق أمريكا، وتثير كل فئاتها ضد بعضهم بعضا: المواطن ضد المهاجر، الجمهوري ضد الديمقراطي، المسيحي ضد المسلم. ومن بين الممثلين لهذا الاتجاه ما يسمّى"مؤسسة السلام والعدالة". ولقد بثّت من على موقعها على شبكة المعلومات مقالاً تحت عنوان"الحقيقة عن الحادي عشر من سبتمبر: آن الأوان لحكومتنا أن تجيب عن الأسئلة"، وهو مقال معبِّر عن كثير من التساؤلات التي تدور في ذهن الكثيرين والتي لا تتجه بالاتهام المباشر إلى القاعدة وبن لادن، ولكن تتهم -بصورة واضحة- جهات عديدة رسمية وغير رسمية أمريكية.
المؤسسات الإسلامية تندمج في المجتمع المدني