فهرس الكتاب

الصفحة 8513 من 27364

إن المشهد الحالي في الداخل الأمريكي هو أقرب للمشهد الذي عرفته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية؛ حيث الخوف من الشيوعية وانتشارها في الواقع الأمريكي؛ الأمر الذي يهدد المشروع الأمريكي، ومن ثم انطلاق الحملة الترويعية، ضد كل من يُشتبه في أنه ينتمي أو يروج لأفكار تقترب من الشيوعية، وهي الحملة التي أطلقها السناتور جوزف مكارثي، الذي يعتبره المؤرخون بداية لتبلور تيار اليمين المحافظ الجديد، التي واصلها السناتور باري جولدووتر الذي قام في عام 1964 بتأسيس كتلة قاعدية في داخل الحزب الجمهوري لدعم سياسيات محافظة جمهورية، ويؤرخ لها الباحثون الأمريكيون بأنها بداية التحول لليمين في أمريكا، ثم مع منتصف السبعينيات بتأسيس مؤسسات بحثية والعديد من الهيئات التي تصب في اتجاه الدعوة للتيار اليميني المحافظ، وأصبحت قادرة على تشكيل الرأي العام، وتعبئة الناس خاصة الطبقات الوسطى الدنيا ذات التوجه المسيحي اليميني، ومن هذه الهيئات:

فلقد استطاع الحزب الجمهوري أن يكون ممثلاً لهذين الاتجاهين (اليمين السياسي واليمين الديني) .

وقد وصل إلى الحكم ليصل ما انقطع منذ إدارة ريجان، وخلال شهور حدثت واقعة 11 سبتمبر، حيث دعمت اليمين الأمريكي الحاكم، حيث وفرت العدو الذي يضمن لليمين المتشدد أن يحقق كل ما يصبو إليه، ويؤمن وحدة المجتمع الأمريكي، والحصول على تفويض مطلق من الكونجرس لمواجهة التهديدات والأخطار، وإطلاق يد العسكرية الأمريكية، وتفعيل المؤسسة الصناعية العسكرية، ووضع كل التسهيلات -خاصة المالية- لتأمين الدفاع عن الأمة الأمريكية بميزانيات مفتوحة، وبغير عرقلة من أي نوع -خاصة البرلمانية- وحصار الحريات المدنية باسم مواجهة الإرهاب.

لقد أدت التفاعلات إلى ضمان أغلبية جمهورية في الكونجرس بمجلسيه (النواب والشيوخ) للمرة الأولى في تاريخ أمريكا (بالنسبة للحزب الجمهوري) ، كذلك التأييد المطلق للحرب من قبل رجال المال والأعمال؛ حيث أجمعت نخبة معتبرة منهم في نوفمبر الماضي -وذلك من خلال دراسة المسارات المحتملة لأسعار النفط وغير ذلك من الأمور- على أن الاقتصاد الأمريكي سينمو في حال أن تحقق الحرب نصرا سريعًا بصورة أقوى مما سيكون عليه لو لم تشن الحرب أساسًا؛ فالحرب القصيرة أفضل من اللاحرب أو عدم تغيير النظام؛ ذلك لأنها ستؤدي إلى إزالة حالة اللايقين السائدة.

إن الجمهوريين -من خلال خبرة تاريخية طويلة- يعرفون أن عسكرة السياسة الخارجية إنما تعني تحقيق أهداف داخلية، وهو ما يضع الديمقراطيين في مأزق بين تأييد الحرب ومعارضتها. والمفارقة أنه بمجرد اقتراب الحرب من موعدها فإن الانقسامات الداخلية تتضاءل، ويلتف المواطنون حول الإدارة الحالية بالرغم من أي شيء. ويشار هنا إلى أن الديمقراطيين قد ظهروا في حالة مضطربة أثناء اللقاء الشتوي الذي عقدته اللجنة الوطنية للحزب نهاية فبراير الماضي، بسبب ضغط الهجوم الجمهوري.

وبالرغم من وجود معارضة فإنها غير منظمة، وليس لديهم رؤية واضحة لإدارة حوار حولها. على العكس فإن الجمهوريين يعرفون بدقة -من خلال التحالف بين الرأسمالية، وخاصة النفطية منها من جهة، واليمين الديني من جهة أخرى- إدارة الأزمة؛ الأمر الذي مكنهم من زيادة ميزانية الدفاع.

إن الإدارة الحالية تعتمد على عنصر التعبئة الجماهيرية وإثارة المشاعر القومية حول أمن أمريكا وحماية الأمة والوطن من قوى الشر، وهي هنا تحاول إيجاد علاقة وثيقة بين مقاومة ما يتهددها بالحرب وتنشيط الاقتصاد الأمريكي الذي سوف ينعكس إيجابًا على المواطنين. وعليه فإن الانتصار العسكري سيؤمن استمرار الإدارة الحالية التي تشعر بأن التوسع الخارجي يعني استمرارية التفوق الداخلي.

خلاصة

وبعد إن ما حاولت أن أطرحه في عجالة هو:

-أن التوسع الأمريكي الإمبراطوري ليس وليد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإنما هو مرافق لمسيرة أمريكا تاريخيًا من جانب.

-أن القوة أو العسكرة مكون أساسي من مكونات النموذج الأمريكي ثلاثي العناصر، وهو حاضر أيضا عبر التاريخ، بيد أن الإدارة الأمريكية الحالية بسبب طبقتها اليمينية المتشددة: سياسيًا ودينيًا قد جسدت ما سبق بشكل واضح وبارز، ووضعته موضع التحقق، خاصة في مرحلة تاريخية أصبحت فيها أمريكا قوة عظمى، ونموذجا منتصرا، أو بعبارة أخرى: إمبراطورية متمددة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت