وتقدم السيدة رايس نموذج التعامل مع الاتحاد السوفيتي؛ باعتباره نموذجا مثاليًا للسياسة الخارجية الأمريكية، فتقول:"في السبعينيات كان الاتحاد السوفيتي في ذروة قوته، وهي قوة كان أكثر من مستعد لاستخدامها؛ نظرا إلى قاعدته الاقتصادية والتكنولوجية الضعيفة"، تبين أن أمجاد تلك المرحلة ما هي إلا انتصار مكلف جدا، وتحدي الرئيس ريجان للقوة السوفيتية كان حازما، وذا توقيت جيد في آن واحد. وقد شمل تعهدات أساسية وكثيفة مع موسكو حول السلسلة الكاملة للأمور التي استعرضت في جدول يضم أقساما أربعة: ضبط التسلح، حقوق الإنسان، المسائل الاقتصادية، والنزاعات الإقليمية. ثم ركزت إدارة بوش بمزيد من الانتباه على خفض النفوذ السوفيتي في أوروبا الوسطى والشرقية. ومع تزعزع قوة الاتحاد السوفيتي لم يعد هذا قادرًا على حماية مصالحه، واستسلم على نحو سلمي للغرب، وهو انتصار هائل للقوة الغربية، وأيضًا للحرية الإنسانية"."
الأمر واضح ومباشر في رؤية الحزب الجمهوري؛ فالمصلحة القومية المباشرة هي الهدف، والقيم تابعة لتحقيق هذه المصلحة. وتحدد كوندوليزا رايس أمرين في غاية الأهمية لتحقيق المصلحة القومية الأمريكية هما:
-دعم السياسات الاقتصادية الدولية التي تفعل مميزات الاقتصاد الأمريكي، وتوسع أطر التجارة الحرة، باعتبارهما أداتين حاسمتين في صياغة السياسية الدولية.
-أن تكون قوة أمريكا العسكرية أكيدة ومصونة؛ لأن الولايات المتحدة هي الضامنة الوحيدة للسلام والاستقرار الشاملين.
وبالنسبة للقوة العسكرية الأمريكية تفصل رايس رؤيتها بالغة الأهمية كما يلي:
"إن الإدارة (إدارة كلينتون) راحت تنشر القوات الأمريكية في الخارج بإيقاع كثيف، بمعدل مرة كل تسعة أسابيع. والى جانب خفضنا نفقات الدفاع إلى حدها الأدنى كنسبة مئوية من ناتج النمو الإجمالي منذ بيرل هاربور، نشرت الإدارة القوات المسلحة بمعدل أعلى من أي وقت خلال الأعوام الخمسين الأخيرة.. وسوف يواجه الرئيس الجديد الآن مهمة طويلة من إصلاح الوضع.. بدلا من الاستمرار في البناء على هيكلية الحرب البادرة. ويجب أن تفعّل الميزات التكنولوجية الأمريكية بهدف بناء قوى أخف وأكثر إهلاكًا.. يجب أن تكون القوات المسلحة الأمريكية قادرة بشكل حاسم على مواجهة ظهور أية قوة عسكرية عدائية في منطقة آسيا، والمحيط الهادي والشرق الأوسط والخليج الفارسي، وأوروبا، وهي مناطق لا تضم مصالحنا فحسب، بل مصالح كل حلفائنا الأساسيين، وقوات أمريكيا المسلحة هي الوحيدة القادرة على تنفيذ مهمة المواجهة والتعويق هذه.. لكن ماذا لو تمت مهاجمة قيمنا في مناطق لا تثير اهتمامنا الإستراتيجي؟ هل يجب على الولايات المتحدة ألا تحاول إنقاذ الأرواح في غياب دافع إستراتيجي قوي؟ بل يجب أن يكون الرئيس الأمريكي الجديد في موقع يتيح له التدخل عندما يكون مقتنعًا بأن الولايات المتحدة مضطرة بدافع الواجب إلى التدخل.. يجب أن يتذكر الرئيس أن القوات العسكرية هي أداة خاصة، وهي مقاتلة والمطلوب منها أن تكون كذلك. إنها ليست قوة شرطة مدنية، وليست حكما سياسيا، ومن الأكيد أنها لم تؤسس لبناء مجتمع مدني.."
في هذا السياق تتحدث الوثيقة عن الأنظمة المارقة ومن بينها"العراق"حيث تقول تحت عنوان:"التغلب على الأنظمة المارقة":
"... في حين يتجه التاريخ نحو الأسواق والديمقراطية، تركت بعض الدول على جانب الطريق. والعراق النموذج الأمثل لتلك الدول. فنظام صدام حسين منعزل، وقوته العسكرية ضعفت إلى حد بعيد، ويعيش شعبه في حالة من الفقر والرعب، ولا يملك موقعًا مفيدًا في السياسة الدولية. لذا فهو مصمم على تطوير أسلحة الدمار الشامل. ولن يتغير أي شيء حتى يذهب صدام. لذا يجب على الولايات المتحدة أن تحشد كل الموارد التي يمكنها حشدها، بما فيها دعم معارضيه، في سبيل إطاحته".
هذه هي الرؤية التي طرحها الحزب الجمهوري حول العالم والعراق أثناء الحملة الانتخابية، وهي تمثل عودة إلى المنهج الروزفلتي في السياسة الخارجية بغطاء ويلسوني؛ حيث المصلحة القومية والقوة والنظام الرأسمالي يمثلون الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها سياسة أمريكا الخارجية. ونظن أن الإدارة الحالية تستند على هذه الرؤية في سلوكها وممارساتها وخطابها منذ أن تولت الحكم، وما الحادي عشر من سبتمبر إلا حدث قد ساهم في تسريع التحركات الأمريكية في إعمال هذه الرؤية على أرض الواقع.
3-الإدارة الأمريكية الحالية و"الشرق الأوسط":
".. التطور الأفضل، للمصالح الأمريكية ولشعبي البلدين على حد سواء (العراق وإيران) ، هو التغيير السياسي العميق، ويبدو أن التغيير في الأفق في ما يتعلق بإيران، نتيجة ديناميات السياسة الداخلية، أما العراق فمختلف، إذ لا يمكن أن يطرأ تغيير ما هناك إلا من خلال العنف."